ولكم في الإصلاح التربوي ..حياة

سبت, 07/08/2017 - 17:39

ستظل النجاة الفردية في الآخرة هي قضية المسلم الأولى، ولن يحقق فاعليته الدنيوية الصحيحة إلا بدافع من شعور تربوي داخلي يحركه وعي بحقيقة الصالحات وشموليتها نحو فعل الخيرات وحب المساكين والتقلل الذاتي من البهرج الشكلي الذي يعيق العظمة النفسية والارتقاء الروحي الذي يقرب إلى الله عز وجل ويؤهل صاحبه للحياة الطيبة الموعودة في الدنيا والآخرة ..
 وبغض النظر عن الحجم النسبي للمصائب الاجتماعية والمشاكل الحضارية المختلفة التي تُعيق فاعلية هذه الأمة وريادتها، والتي يأتي في مقدمتها الفساد السياسي والجهل المستشري الذي يغيب الوعي بالذات وبالحياة، فإن أغلب مشكلاتنا الجوهرية نابعة أيضا من إعاقات نفسية /اجتماعية، سواء كان مردها علميا فكريا أو سببها نفسي تربوي..
 وسيظل العمل على جبهات الإصلاح العام منقوصا ما لم يرفد بجهد تربوي دعوي لإصلاح النفوس ومواجهة المشكلات المستوطنة للعقل أو المعيقة للإرادة أو تلك التي تشكل خلفية نفسية واجتماعية للممارسات الفردية والجماعية الإفسادية..
 ولنسأل أنفسنا أي العوامل الاجتماعية والسياسية يقف وراء أدواء العنصرية والكراهية والأنانية والصلف وحب الأثرة والمكاثرة، والجشع، ورؤية الحق على الغير، ثم لنعط "النفس" نصيبها من المسؤولية عن بعض المشكلات السياسية من ميل للظلم وحب للإستبداد..وسواء كان منشؤ تلك المشكلات اعتلالا نفسيا أم جهلا قاد إلى ذهنية وعقلية سقيمة تشكلت ثقافتها وقيمها العقلية والفكرية بشكل خاطئ، فمما لا شك فيه أن النتيجة واحدة وهي مجانبة للطريق الأسلم في حياة هذه المجتمعات.. واستمرار لمحنة الأمة وتخلفها الحضاري والسياسي..
 وإذ يشكل سلوك طريق المغالبة السياسية ضرورة لا جدال فيها وعملا لا مجال لبخسه مكانته ـ إذ أن جزء من هذه المشكلات إنما هو نتاج تربية جماعية وتوجيه سلطاني وقمع سياسي راكم التخلفٓ وغذاه ـ فإن "الزهد" أيضا في منازلة المفسدين في حديقتهم الخلفية التي تديم نفوذهم، هو غلط استراتيجي، فضلا عن كونه "ردة رسالية"، إذ أن دائرة التخلف المغلقة لا يمكن كسرها بالمواجهة اللامتكافئة، فمن وسط الحديقة الخلفية "الإفساد الاجتماعي" يواصل الفرعون الكبير رعاية فرعون صغير، ويشكل القارونيون بيئة صالحة لنشوء الجيل الموالي من القارونيين الصغار، أكثر حمقا وشراسة وأشد انحرافا نفسيا وضلالا فكريا..وما قصة تزييف الوعي الذي رعته أجهزة المخابرات في مصر بواسطة إعلامها عنا ببعيد، فغيرت مزاج الناس من أمة في مرحلة ثورية حالمة ومضحية، إلى أمة ترقص على أنغام ذبحها، وهدر كرامتها، وبيع استقلالها..فمن أحدث تلك الردة الجماعية الفجائية إلا تزييف الوعي وقلب الحقائق لعموم الناس من مَن لم تقِهم معارفهم ولا ذهنياتهم من السقوط في أتون التزييف والتغفيل..!
 وحتى نرى أولوية هذا الأمر أو أهميته علينا استحضار أن أجهزة الإفساد قادرة في كل مرة على المناورة وتغيير المعارك الرئيسية ضد الظلم والتفقير، إلى معارك اجتماعية حينما يتم استدعاء الفتن الاثنية والعرقية التي تغذيها الأمراض الاجتماعية المستترة والظاهرة، فيتحول المصلحون حينذاك رغما عنهم إلى محاولات تهدئة النفوس وينشغلون بطامات التنابز الاجتماعي، ليضحك الشيطان الحاكم عرض أسنانه الآثمة..!

الصحوة لم تتبخر.. ولكن

لقد أبلت الحركات الإسلامية بلاء حسنا في الإصلاح التربوي الداخلي وفِي الجهد الدعوي العام بيد أن تلك الجهود التي أصابت خيرا كثيرا لم تصل لكل غاياتها لإصابتها بنقصين؛
الأول أصاب الجهود التربوية التي كانت تتم في عزلة تامة عن المجتمع، (والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم ..) فلما نادت استحقاقات المخالطة إذا بأبناء الدعوة في مواجهة الخُلطة الاجتماعية وإشكالاتها عزَّلا إلا من تصورات عامة ورؤى تكاد تكون متعارضة، فاجتالت بعضهم دعوات جاهلية وخلب البريق الدنيوي الساطع بعض الأبصار، كالرجل يمكث في الظلام سنين، فينكر ضوء الشمس، أو تصرعه ضربتها، والمصلحون غير المتصوفة، لا يليق بهم الانعزال بل يصلب عودهم وهم في النزال والمغالبة ..
أما النقص الدعوي فقد أصاب الخطاب الذي كثف مفردات الوعظ العام دون المعالجة الدعوية للمشكلات الاجتماعية والسياسية، وظل الفكر الإسلامي حكرا على النخبة الإسلامية المتعلمة في حين كانت جموع الناس في منأى عن تخليق الوعي واستنهاض الهمم من خلال التبصير بالواقع..
واليوم تشكل قنوات الإعلام الجديد فرصة وعبئا، فقد مكنت من كسر أحادية الإعلام وأسقطت استفراد الحكام بسلطة التوجيه وتشكيل العقول، إلا أنها قد تتحول إلى مصدر لتدعيم التخلف العقلي والاجتماعي إذا شكلت وسيطا للعب المخابرات الخبيثة والقوى الباطنية بالنوازع التي شكلتها في نفوس الناس على مدى عقود من تزييف الوعي.
إن اختزال التمكين لمشاريع الإصلاح في الإصلاح السياسي، واختزال الإصلاح السياسي في التدافع السياسي بمعناه الحزبي/ اليومي أضر بالخريطة الإدراكية التغييرية ومن ثم بالفعل الإصلاحي في أبعاده الاستراتيجية، وما تحتاجه القوى الإسلامية هو المزيد من الاهتمام بإصلاح الوعي الجمعي وتحقيق التغيير الاجتماعي، لأن مواجهة أدوات الفساد، التي تعمل باحتراف وتوظف تراكم الجهل وتشوه الوعي لإبقاء هذه الشعوب في تخلفها الحضاري الموروث عن تركة الاستعمار وعهود الانحطاط، يتطلب جهودا منوعة وكثيفة تقي الحرب الضروس الدائرة على وجدان الناس وعقولهم، هذا فضلا عن أن الرؤية الإسلامية في الإصلاح القائمة على إصلاح الإنسان باعتباره الغاية والوسيلة يتطلب تجسيدها العناية بالإصلاح التربوي، الذي يجب النظر إليه باعتباره عملا معرفيا وترشيديا شاملا، يشمل الدعوة والتعليم ونشر الوعي، بما يسهم في مجمله في ترسيخ قيم ومواجهة قيم؛ في خلق الفعالية الحضارية وتبديد ظلمات الثقافة الميتة والمميتة.