المقاومة

جمعة, 05/12/2017 - 11:16
أبو بكر زين

في إحدى المرات، شاهدت فلما على ناشنل جيوغرافيك، و قد ترك في نفسي أثرا بالغا..
هو مشهد لثلاثة صيادين في النهر، على زورق صغير.. يراقبون شبكتهم و يتبادلون على التجديف بعصا عندهم يغرزونها في القاع ثم يدفعونها و هكذا.. يطوفون بالشبكة لجمع ما تيسر من الأسماك.. 
كل شيء على ما يرام حتى اللحظة، و لكن الكارثة اقتربت: النمر يسبح متسللا في اتجاههم و هم لاهون في صيدهم و حديثهم.. ثم فجأة ينقض النمر على أحد الصيادين.. غارزا أنيابه على القفا بإحكام و يغرقه في لمح البصر! بات موته خبرا مؤكدا لا محالة..
العصى الوحيدة غير قادرة على جزر معزاة أحرى أن تحرر القتيل من قبضة فك النمر. و لو قرر المسكينان السباحة لنجدة صاحبهما، فلن تكون جثتاهما - بعد أن يقتلهما النمر - مشبعتين للتماسيح بما يكفي ليسهموا الذئاب و الضباع المتربصة حول النهر..
لم يكن أمام الصيادين من خيار سوى أن يستمرا بالضرب بالعصا على رأس النمر دون جدوى.. يتبادلان على العصا لمدة ثلاثين دقيقة و النمر ممسك بصاحبهما بقوة و يحاول إغراقه تحت الماء لمدة كافية، لولا تشويش العصا..
و في النهاية يرسل النمر الصياد و ينسحب أدراجه سالما لا غانما..
المفاجأة السارة هي أن الصياد نجا بأعجوبة بعد عملية جراحية و عاد للصحب و الأهل و الأحبة و للصيد أيضا..
 
أما أنا فقد تعلمت من ذلك الفلم أن النمر لم يهزم بسبب الضرب بالعصى. و لكنه و بحساباته الخاصة، اقتنع أن الفريسة لا تستحق كل هذا الجهد، و أن بإمكانه ادخار قوته لصيد أقل تكلفة..
و تعلمت شيئا آخر، هو أن المقاومة لا يتوجب عليها أن تكون مساوية في العدة و العتاد للاحتلال.. و إنما يكفي فقط أن تستمر شوكة عالقة في حلقه حتى يقتنع بعدم ربحية مشروعه الظالم.. و أن الأولى له البحث عن فريسة أخرى أقل تكلفة في الأنفس و الوقت و المال..
لقد اقتنعت منذ ذلك الحين أن الصهاينة سيخرجون يوما من الأرض المقدسة بفضل المقاومة كما خرج الصليبيون من قبل.. و أن أمركا ستخرج من أفغانستان كما خرجت من العراق.. و أن الظلم يستحيل بقاؤه ما دامت هناك مقاومة..