العلاقة مع الله..

جمعة, 05/12/2017 - 11:13
أحمدسالم أكاه

العلاقة مع الله تبارك وتعالى، علاقة متينة، ورابطة قوية، وآصرة وطيدة، لذالك احتاج العبد الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا أن ينميها ويترقى في مدارجها كما يترقى السالكون لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
لم يكن الإنسان الضعيف قادرا على معرفة الله سبحانه وتعالى وعلاقته به إلا عن طريق الوحي، فأكملُ الناس نضجًا وعقلاً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذالك يقول الله تعالى له:(مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى
فعلاقة الإنسان مع ربه هي علاقة:محبةٍ وأنسٍ وبشرٍ وعبوديةٍ وإجلالٍ وتقديرٍ ورغبةٍ ورهبةٍ وإخلاصٍ وعملْ.
علاقة تطبعها علاقة العبد مع سيده، من ناحية الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، وتطبعها علاقة الإنسان مع حبيبه، من ناحية الأنس والمحبة، وتطبعها علاقة الإنسان مع خالقه  من ناحية الامتنان بالنعم والشكر على الآلاء، وتطبعها علاقة الإنسان مع ربه من ناحية التنزيه والتعظيم وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، علاقة تطبعها استحضار مراقبة الله التي لا تزول قال تعالى:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
وقال تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)وقال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)وقال تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
وقال الحكيم: 
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل         خلوت ولكن قل علي رقيــــب
ولا تحسبن الله يغفــــل ســــاعة         ولا أن ما تخفيه عنه يغيــــــب
ولله در القائل:
كأن رقيباً منك يرعى خواطـــــــــــــــري ... وآخر يرعى ناظري ولســـــــاني
فما نظرت عيناي بعدك منظـــــــــــــــراً ... لغيرك إلا قلت: قد رمقانــــــــــي!!
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظـــــــــــــــــةً ... لغيرك إلا قلت: قد سمـــــــــعاني!!
ولا خطرت في ذكر غيرك خطـــــــــرةً ... علــــى القلـــــب إلا عرجــا بعنان
إذا ما تسلى القاعدون عن الهــــــــــــوى ... بذكر فلان أو كــــــــــــــلام فلان
وجدت الذي يسلــي سواي يشوقنـــــــــي ... إلى قربكم حتى أمل مكــــــــــاني
وإخوان صدق قد سمعت كلامــــــــــــهم ....وعففــــــــت طرفي عنهم وجناني
وما الدهر أسلا عنهـــــــــــــــم غير أنني.... أراك علــــــى كل الجهات تراني

فإذا استشعر الإنسان عظمة ربه، ونعمه عليه، وقدرته على معاقبته، وما أعد له من النعيم مقابل ترك المعاصي، سيجلهولا يمكنه حينها أن يعصيه وقديما جاء رجل إلى إبراهيم الأدهم يشكوا إليه ما ابتلي به من الذنوب فقال له إن نفسي كثيرا ما تأمرني بالمعصية فعظني قال له إذا قدرت على إحدى خمس خصال قبل المعصية فإنها لاتضرك.
 قال له هات الأولى:قال له إذا أردت أن تعصي الله فرُدَّ إليه كل نعمةٍ أنعم بها عليك ثم اعصه قال له كيف أرد إليه نعمه وخلقتي من نعمه قال له إن فعلت فإنك إذا لئيم كيف تستخدم نعمه في معصيته.

 قال له فهات الثانية: قال له إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من أرضه فالأرض بيت لله فلاتعصه في بيته قال كيف أخرج من أرضه وقد قال (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) قال له إن فعلت فإنك إذا لئيم كيف تسكن بيته وتعصيه فيه.
 قال فهات الثالثة: قال له إذا أردت أن تعصي الله فاذهب إلى مكان لا يراك فيه فاعصه فيه قال له كيف أذهب إلى مكان لا يراني فيه وهو لا تحجب عنه أرض أرضا ولا جبل ما في وعره ولا بحر ما في قعره قال له فإن فعلت فإنك إذا لئيم كيف تعصيه أمامه وقد أخذ عليك العهد ألا تعصيه.
 قال له فهات الرابعة: قال له إذا انتهى أجلك فزد فيه حتى تتوب قال كيف أزيد فيه وقد قال الله تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) قال له إن فعلت فإنك لئيم مع نفسك.
 قال له هات الخامسة: قال له إذا جاءك زبانية العذاب فلا تذهب معهم إلى النار قال كيف أمنعهم ولا قوة لي حينئذ، قال له إن فعلت فإنك لئيم مع نفسك ومع ربك الذي خلقك فبكي الرجل حتى اخضل وجهه بالبكاء وآب إلى ربه.
فإذا استحضر الإنسان هذه المسائل لاشك سيبتعد عن المعصية ويغذ في العبادة و لا شك أن أي إنسان مهما كانت قساوة قلبه همَّ بذنب فتذكر قول الله تعالى "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" سيحجم عن ذالك الذنب ويتركه، ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ  يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ، 
ولاشك أن الإنسان إذا ترك ذنبا خوفا من الله ورجاء فيما عنده وتطهيرا لنفسه سيرتفع مقامه عند الله وتكون له بذالك منزلة ومكانة عظيمة وإن دخل مأزقا كان له من العهد مع ربه ما يمكن أن يدعوه به كقصة النفر الثلاثة أصحاب الغار الذين أطبقت غليهم الصخرة ـ ويضيق المقال عن ذكرها ـ
فإذا راعى الإنسان علاقته مع ربه سيستحيي منه حق الحياء وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذالك حين قال استحيوا من الله حق الحياء  قالوا وما حق الحياء يا رسول الله قال: من حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوي وآثر الآخرة على الأولى فقد استحيي من الله حق الحياء.
فمن حفظ الفكر والسمع والبصر واللسان والقلب والرجل..فقد استحيي من الله حق الحياء، فإذا حقق الإنسان هذه الأمور ونقى قلبه من جميع الشوائب من الغش والحسد والغل والنفاق والرياء والبخل فقد استقامت علاقته مع ربه ومن من استقامت علاقته مع ربه فقد استقامت علاقته مع نفسه وأهله وجيرانه وأصدقائه حيث لابد من القيام بحقوق هؤلاء أيضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن لربك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه.
والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى لا بد لسلامتها أن تكون قائمة على مدار الإخلاص عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) رواه مسلم ، وفي رواية ابن ماجة:  فأنا منه بريء وهو للذي أشرك.
ولذالك قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)وقال تعالى:
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) وقال تعالى:
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي.
فإذا وصل الإنسان مرتبة عالية من طهارة القلب من الأدران فإنه سيجد لذة سعيدة في قلبه، ويتذوق طعم الأنس بالله ويترقى في مدارج الخلوة لمناجاته ويجد في نفسه سكينة تثبته أوقات المحنة ومن أعظم ما يجلب هذه السكينة ركعات في جوف الليل يخلوا بها العبد مع ربه فتنير بصيرته وتجعل عليه هيبة الخوف من الله فلا يخاف من ما سواه، ويزداد كل يوم تقربا إلى الله تعالى ليحبه ربه  وقد قال في الحديث القدسي: وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
وحينئذ يجد العبد في قلبه حبا عميقا لله جل جلاله فيكون وصل إلى مرتبة حلاوة الإيمان: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ .
وكان ابن القيم رحمة الله عليه يقول: إذا أردت أن تعرف مدى إيمانك وعلاقتك بالله "فراقب نفسك في الخلوات" فإن الإيمان لا يظهر في صلاة ركعتين أو صيام نهار وإنما في مجاهدة النفس والهوى
ومن أسوء عواقب التفريط في العلاقة مع الله أن صاحبها يوم القيامة لا يكلمه الله ولا ينظر إليه وليس فوق هذا عذاب فالله جل جلاله حين أخبر عن عذاب هذا الصنف وما أعد لهم من أشد أنواع العذاب بدأه بقوله(أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) آل عمران:77.
فجعل عذاب إعراض الله عنهم أشد أنواع العذاب كما أنه جعل أبلغ ما في الجنة من النعيم هو رؤيته جل جلاله.
والله ما طلعــــــت شمس ولا غربت          إلا وحبك مقرون بأنفـــــــــــاسي 
ولا جلست إلى قوم أحدثهــــــــــــــم          إلا وأنت حديثي بين جلاســـــــي