معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ... تجربة وحدة دعوية

أحد, 04/16/2017 - 01:47
أحمدو ولد محمد عبد الله

تعتبر موريتانيا دولة متعددة الأعراق وقد ساهم موقعها الجغرافي وتعددها العرقي في أن تكون همزة وصل بين العالم العربي والعالم الأفريقي، ورغم هذا التعدد العرقي إلا أن جميع سكانها مسلمون ويجمعهم المذهب المالكي، وقد عمل الاستعمار لاستغلال النزعة العرقية والفئوية لأجل تحقيق أهدافه التوسعية فركز على الطبقة الزنجية حتى تشبعت نخبهم بالثقافة واللغة الفرنسية في حين أنهم لا يفهمون اللغة العربية التي هي لغة القرآن.

 ومع مطلع الثمانينات اندلعت أحداث فتنة عرقية بين العرب والزنوج كان وقودها الدعايات والنعرات العنصرية وقد كان لهذه الأحداث آثارا خطيرة حيث زادت في الشرخ الاجتماعي وولدت حساسيات عنصرية بغيضة.

وفي خضم تلك الأجواء كان لا بد للخيرين والغيورين على هذا البلد أن يتحركوا لرفع هذه التحديات الجسيمة وردم الهوة السحيقة التي باتت تهدد كيان الدولة والمجتمع وتنذر بانقسامات وحروب أهلية مدمرة ..من هنا جاءت فكرة إنشاء المعهد ليؤسس لعمل استراتيجي يسعى إلى تدعيم البناء الاجتماعي ،وصهر مكونات المجتمع وفق منهج تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية لكافة أفراد المجتمع.

النشأة والتأسيس :
 لقد تم الترخيص لمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية بموجب رخصة من وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي تحت رقم 206 و ت ث إ بتاريخ 31/08/1994م، وقد بدأ العمل فعليا سنة 1997م، حيث انطلق العمل في صفوف الناطقين بغير العربية وركز في البداية على إقناعهم بضرورة تعلم اللغة العربية بوصفها لغة القرآن ولا سبيل لفهم تعاليم الإسلام الصحيحة إلا من خلالها ، وجدير بالذكر أن القائمين على المعهد قد لاقوا صعوبات كبيرة في البداية نتج ذلك عن سوء فهم لرسالة المعهد غير أن الأمر قد تغير بعد ذلك فأصبح المعهد يعاني من مشكل ضعف القدرة على استيعاب الآلاف من هذه الفئة الراغبة في الالتحاق به سنويا.

مدير المعهد الشيخ احمد سالم ولد محمد عبد الله مع نائب رئيس مجلس الادارة الامام عبد الله صار والشيخ عمر با في آشوييف
الأهداف والوسائل:
 يسعى المعهد إلى تحقيق حملة من الأهداف من أهمها:

أولا. تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: ويسعى المعهد تحت هذا الهدف لإكساب المستهدفين كفاية القراءة والكتابة والفهم والمحادثة بلغة عربية فصيحة غير مشوبة، ومن أهداف المعهد نشر العلوم الإسلامية قصد التحصين من أفكار الغلو والتطرف، والحماية من دعوات التنصير والتغريب وتعليم الناس ما تعبد به ربها وتقوم به أخلاقها وفق تعاليم الإسلام.

ثانيا. نشر العلوم الإسلامية: إذ ينتشر الجهل بأساسيات الدين في صفوف غير الناطقين باللغة العربية خاصة فيما يتعلق بالقرآن والفقه والسيرة.

ثالثا. المساهمة في محو الأمية: باعتبار أغلب سكان المنطقة أميون.
 رابعا.المساهمة في حفظ التراث وصيانته: كما يساهم في إحياء التراث الإسلامي من خلال تمكين المجتمعات من آلية للتواصل مع التراث الإسلامي لأجدادها وهو كثير ومفيد، بحيث إذا نشر وحقق سيكون إضافة مهمة للتراث الإسلامي بهذا البلد خصوصا وللتراث الإسلامي بشكل عام، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن اللغة العربية ليست دخيلة على الأفارقة الزنوج بل كانت لغة التخاطب والكتابة قبل مجيء المستعمر للبلدان الإفريقية.

ويستخدم المعهد من أجل تحقيق أهدافه مجموعة من الوسائل من أهمها:

أولا:التعليم في الفصول الثابتة: وهي فصول ٌيدرس فيها القرآن الكريم واللغة العربية والعلوم الشرعية وفق منهج دراسي محدد، وتضم هذه السنة (947)طالبا إضافة إلى أكثر من (526) طالبا في محاظر يتم دعمها من قبل المعهد ليكون بذلك العدد الإجالي للطلاب : (1473) طالبا موزعين في المناطق الأكثر كثافة سكانية لغير الناطقين بالعربية ولا يتقي المعهد أي رسوم مقابل الدراسة بل إن جميع أنشطته مجانية .
 فصول دراسية في المعهد

ثانيا: حلقات تحفيظ القرآن الكريم:
 وهي تعنى بتحفيظ القرآن الكريم في أوقات مخصوصة لمن لا يستطـيـع الالتحاق بفصول المعهد من الكبار والصغار، وفق برنامج محدد وبتجويد وترتيل، استفاد منها حتى الآن (1385) شخصا من الرجال والنساء، ويقوم المعهد سنويا بعشرين حلقة (20) تضم الواحدة ما بين 20 – 35 طالبا

ثالثا: دورات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:
 وهي دورات تستهدف الأطر والمثقفين والطلاب من الناطقين بغير العربية، تقدم فيها دروس متنوعة في القراءة والكتابة وعلوم اللغة العربية وأساسيات في العلوم الشرعية وفق برنامج محدد ، وقد خرجت حتى الآن (1500) فردا ( رجالا ونساء) ، منهم الأطباء والمعلمون والأساتذة والموظفون ، كما أنها شملت بعض الدول المجاورة، وقد أعطت هذه الدورات ثمرات جيدة و ساعدت في تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها ، ويقيم المعهد خمس دورات سنويا في البلد بالإضافة إلى الدورات التي تتم في الدول المجاورة ويلاحظ تزايد الإقبال على هذه الدورات من سنة لأخرى حيث يبلغ متوسط الدارسين في الفصل (20 ) دارسا.

رابعا: دورات محو الأمية:
 وهي أقسام لتعليم الأميين الكبار القراءة والكتابة، وأساسيات في الأحكام كالطهارة والصلاة وفق برنامج محدد، ورغم أهمية هذه الدورات والحاجة الكبيرة لها خصوصا في المناطق الريفية حيث ترتفع نسبة الأمية والجهل فإن الإقبال عليها ما زال ضعيفا بسبب الخجل وعدم وجود محفزات، وقد استفاد من هذه الدورات حتى الآن أكثر من 215 فردا أغلبهم من النساء.

خامسا: الرحلات التعليمية:(مشروع النفير التعليمي والدعوي)
 وهي رحلات يقوم بها أساتذة وأئمة مؤهلون تنظم وفق برنامج يشمل أساسيات الأحكام الشرعية ومبادئ العلوم الإسلامية . وشملت حتى الآن كثيرا من القرى والمدن المحاذية للنهر في: الترارزة ولبراكنة بالإضافة إلي بعض القري في الحوض الغربي وكيدي ماغة ويستفيد سنويا من الرحلات ما يزيد علي 30 قرية يمكث فيها المدرس ما بين أسبوعين إلي شهر.

سادسا :المخيمات الصيفية :
 وسعيا إلي تكوين الطلاب وشحذ مهاراتهم وقدراتهم الدراسية يقيم المعهد سنويا بعض المخيمات والأسابيع الدراسية في مناطق تركيزه وقد أقام المعهد في هذه السنة مخيما في قرية جكينة شارك فيه أكثر من 80 شابا من قرى شمامة لمدة أربعة أيام .

سابعا: الأنشطة الداعمة للتعليم :
 وسعيا إلي توسيع نطاق رسالتهلمختلف المراحل العمرية يعمل المعهد علي إنشاء المجمعات العلمية وبناء المساجد والمحاظر والمدارس في مناطق تركيزه

ثامنا : دورات الأئمة والمدرسين
 وهي دورات يقيمها المعهد سنويا للائمة والمدرسين وتتراوح فترة الدورة الواحدة بين يومين إلي أسبوع ويتلقي فيها الأئمة والمدرسون تكوينا في التدريس والخطابة والدعوة ومستجدات الوسائل التربوية علي يد كوكبة من كبار العلماء والدكاترة المجربين ويقيم المعهد سنويا 6 دورات للائمة والمدرسين .

مناطق الانتشار:
يركز المعهد وجوده فيالعاصمة نواكشوط، إضافة إلى ولايات (لبراكنه - اترارزة – كوركول - كيدماغا - الحوض الغربي).
وتعد هذه المناطق من أكثر مناطق البلاد استهدافا من قبل المنظمات التنصيرية، لذلك كانت حاجتها ماسة إلى مثل هذه الجهود الطيبة، التي تمسكها بدينها وقيمها، وتربطها بجذورها الإسلامية، خصوصا أن اللغة تقف حجر عثرة في وجه الكثير منهم، بالإضافة إلى كون هذه الفئة في أغلبها من الفئات الفقيرة في هذا المجتمع، لذلك يقوم المعهد ببعض الأنشطة الاجتماعية والخيرية التي تساعده في مهمته هذه، وتزيد ربط الطلاب والمستفيدين به وبرسالته.