براءة الدين من عجز المتدينين(3)/

أحد, 04/16/2017 - 01:39
الشيخ محمد الأمين بن مزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ففي درس اليوم سوف أتحدث – بإذن الله تعالى – عن دلالة تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من العجز والكسل، وعن تحريم إعانة الظلمة وتصديق كذبهم، وعن الإيجابية والفعالية من خلال قصة ثمامة بن أثال، وعن وسيلة فريدة من وسائل المقاومة تضمنها حديث شريف مدون في كتب السنة .

أما في نهاية الدرس فأنت على موعد مع تحقيق علمي لو سرت من غانه إلى فرغانه لتحصل عليه لما ضاع سفرك ، فخذه بلا تعب وادع لي وللبشير .
 وهذا أوان الشروع في المقصود .

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضَلَع الدين وغلبة الرجال " رواه البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه ومسلم

قال ابن القيم وهو يبين شمول هذه الدعوات : " تخلفُ العبد عن مصالحه وتفويتها عليه إما أن يكون من عدم القدرة وهو : العجز، أو من عدم الإرادة وهو : الكسل، وحبسُ خيره ونفعِه عن نفسه وعن بني جنسه إما أن يكون منع نفعه ببدنه فهو : الجبن أو بماله فهو : البخل وقهر الناس له إما بحق فهو :ضَلَع الدين أو بباطل فهو غلبة الرجال . "

فإياك يا طالب العلم والمجد أن تعجز أو تكسل
 فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وروى الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي(7051): عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع".

فقد تضمن هذا الحديث وعيدا شديدا في الدخول على الظالم، وتصديقه في كذبه، وإعانته على ظلمه، وإنما كان ذلك جريمة كبرى لأن جريمة الظالم عامةٌ شاملةٌ يتضرر بها عدد كبير من الناس، وهذه الجريمة لا تتم إلا بتصديقه وإعانته و إلا فالظالم بمفرده عاجز لا يستطيع أن يبسط ظلمه على الناس، وإنما يتم ذلك بتعاون الآخرين معه وهو تعاون محرم في الشرع لأنه تعاون على الإثم والعدوان .

وقد اعتبر الغزالي في إحياء علوم الدين أن الثناءَ على الظالم إعانةٌ على المعصية وتحريكٌ للرغبة فيها، بينما التكذيب والتقبيح زجرٌ عنها وتضعيفٌ لدواعيها .

ولهذا الحديث وعيره كان السلف يحذرون كل الحذر من إعانة الظلمة والتعاون معهم فأين من ذلك من يسهر ليله ويعمل نهاره وينفق ماله ويبذل جاهه في سبيل بقاء الظالم وتمكنه ؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة؟ فقال : "عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت ."
فترك حتى كان الغد ثم قال له :ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك، إن تُنعِم تُنعِم على شاكر .
 فتركه حتى كان بعد الغد فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال عندي ما قلت لك ، فقال : أطلقوا ثمامة .

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إلي من وجهك فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغضَ إلي من دينك فأصبح دينُك أحبَّ الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغضَ إلي من بلدك، فقد أصبح بلدُك أحبَّ البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟
فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر.
 فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال : لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال .

وفي رواية ابن إسحاق : " والذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة – وكانت ريف أهل مكة – حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة، فجهدت قريش فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم إلا كتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد كان ثمامة بن أثال الحنفي اليمامي يدرك إمكاناته ويعرف أن زعامته تخول له أن يساهم مساهمة مقدرة في المعركة الدائرة بين المسلمين وأعدائهم فلم يبخل ولم يتقاعس ولم يتردد ، ففرض – فور إسلامه – حصارا اقتصاديا جعل كفار قريش يستعطفون ويتوسلون ويخضعون، والذي يلفت النظر أن تصرفات ثمامة جاءت تلقائية وثمرة من ثمرات الإيمان ، ولم أعثر على أية رواية تفيد أن المسلمين طلبوا منه اتخاذ هذا الإجراء .

أين من يقول والله لا يأتيكم صوت من اليمامة حتى تعلنوا التوبة وترجعوا إلى الدين وتعلنوا سيادة الشرع ؟ أين من يضع إمكاناته في خدمة الدعوة؟ أين ثمامة بن أثال أيها الرجال؟
 وفي هذا الحديث فوائد كثيرة يرجع إليها في فتح الباري .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره. فقال له: اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا. فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه فعل الله به وفعل فجاء إليه جاره فقال: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه . رواه أبو داود في كتاب الأدب باب في حق الجار وسكت عنه المنذري ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد آخر صحيح على شرط مسلم ثم رواه عن أبي جحيفة وصححه الذهبي على شرط مسلم .

وقد تضمن هذا الحديث وسيلة فريدة من وسائل المقاومة .

ولو أن مئات الطلبة الذين حرموا من دراستهم ظلما، وفقدوا منحهم ظلما، وضاعت شهادتهم ظلما، وسلبوا اطمئنانهم النفسي ظلما، طرحوا أمتعتهم في الطريق، فإذا سألهم الناس أخبروهم خبرهم، وواظبوا على هذا الأمر مرة كل شهر، لظلت قصة ظلمهم حاضرة في الأذهان، ولكان من الممكن أن يعاد لهم حقهم المغتصب، ولكنه العجز الذي يسمى يأسا دعاهم إلى الاستسلام فاستسلموا، مع أنهم لو حافظوا على وحدتهم لكانوا قوة انتخابية يخطب ودها الرؤساء والنواب والعمد .

وقبل نهاية الدرس أود أجيب على سؤال قد يخطر بالبال وهو ما قولكم دام فضلكم في حديث " تسمع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " ؟

و الجواب عن هذا الحديث من جهة السند أنه حديث رواه مسلم متابعة عن زيد بن سلام عن أبي سلام قال: قال حذيفة رضي الله عنه كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال : " تسمع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك ، فاسمع وأطع ". قال الدارقطني في كتاب اللزامات والتتبع ( ص : 226) : " هذا عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق " قال النووي في شرح مسلم : " وهو كما قال الدارقطني . "

وأما الجواب عنه من جهة المعنى فقد قال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل : "أما أمره عليه السلام بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك - بلا شك - إذا تولى الإمام ذلك بحق وهذا ما لاشك فيه أنه فرض علينا الصبر له ...وأما إن كان ذلك بباطل، فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، برهان ذلك قول لله عز وجل ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) فالمُسْلِمُ مالَه للأخذ ظلما وظهرَه للضرب ظلما -وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه – معاون ٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن . "
 انتهى الدرس

سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب
"سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"