براءة الدين من عجز المتدينين (2)/

أحد, 04/16/2017 - 01:38
الشيخ محمد الأمين بن مزيد

تكرر في القرآن حوار الضعفاء والذين استكبروا يوم القيامة، ورد ذلك في سورة إبراهيم وفي سورة سبإ وفي سورة غافر، وفي هذا الحوار يعترف الضعفاء بتبعيتهم المذلة المضلة للذين استكبروا وطاعتهم لهم ( إنا كنا لكم تبعا )( سورة إبراهيم : 23 )

وهذه التبعية جريمة وليست عذرا فالمسلم يجب أن يقود إلى الخير لا أن يقاد إلى الشر وأن يتصدر للإمامة لا أن يكون ذيلا في قطيع المستضعفين والمسلم – كما يقول إقبال - لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته "

وفي موضع آخر يقول المستضعفون: (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا )( سورة الأحزاب : 67)، وطاعة هؤلاء الكبراء محرمة في دين الله، فقد تواترت النصوص القرآنية تنهى عن طاعة المسرفين والمفسدين والغافلين والكافرين والمنافقين يقول الله عز وجل ( ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون )(سورة الشعراء : 151-152)، ويقول تبارك وتعالى ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا )( سورة الكهف : 28 )، ويقول عز وجل ( ولا تطع الكافرين والمنافقين )(سورة الأحزاب : 1)، ويقول تبارك وتعالى ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا )( سورة الإنسان :24 ) فانسياق الملايين خلف المسرفين المفسدين الغافلين وتبعيتهم وطاعتهم لهم جريمة لا مبرر لها. والموقف الشرعي من هؤلاء المستكبرين عن شرع الله هو العصيان لا الطاعة، والمقاومة لا المساندة، فلا طاعة لمن لم يطع الله عز وحل. ودين الله أعظم من أن يشرع طاعة هؤلاء الذين تؤول طاعتهم إلى إماتة الشرع والقضاء على الدين، كما دلت على ذلك التجارب الماضية والحاضرة، ورحم الله الشيخ أبا الحسن الأشعري فقد ألحق بالكفر إرادة الكفر كبناء الكنائس ليُكفَر فيها أو قتلِ نبي مع اعتقاده صحةَ رسالته ليُميتَ شريعتـَه. نقل ذلك القرافي في الفرق (241) من كتاب الفروق.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثير صحيحة أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الطاعة إنما تكون في المعروف، وأنه لا حق لبشر في أن يطاع في معصية الله عز وجل أليس في قول الله عز وجل ( ولا يعصينك في معروف )( سورة الممتحنة : 12 ) أبلغ الدلالة على أن الطاعة إنما تكون في المعروف؟ وتنزيل هذه النصوص على الواقع يقتضي:

أولا . توعية الجمهور الغافل الذي لا يفرق بين المسلمين والمجرمين، ولا بين الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا بين المعروف والمنكر، وتوضيح الأحكام الشرعية التي تقتضي من المسلم أن يكون فاعلا مؤثرا آمرا بالمعروف مغيرا للمنكر، مطيعا في طاعة الله، رافضا لمعصية الله.

ثانيا . الوقوف- بحزم – في وجه التوجيهات والأوامر والسياسات المخالفة للشرع أو التي تكون نهايتها – مهما بدت بريئة- إماتة الشرع.

ثالثا . كشف العواقب التي تؤدي إليها هذه السياسات الإجرامية.

رابعا . اعتبار التبرير جريمة ومشاركةً ومظاهرةً للمجرمين وقد قال الله عز وجل ( رب أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرميين )( سورة القصص :17 )، وإعلان هذا الموقف للمرشَّحين للتبرير حتى يتغلب الوازع الإيماني على سيف المعز وذهبه.

ولقد كان السلف شديدي الحذر من مساندة الظلمة، نقل القرطبي في تفسيره عن سلمة بن نبيط قال بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال أعطهم، فقال : أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقيل له ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا؟ قال : لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. ونقل القرطبي عن عبد الله بن الوليد الوصافي أنه قال : قلت لعطاء بن أبي رباح إن لي أخا يأخذ بقلمه وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج وادَّان؟ فقال : مَن الرأس؟ قال : خالد بن عبد الله القسري : قال أما تقرأ ما قال العبد الصالح ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين )( سورة القصص : 17 ) ... قال عطاء فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وإنه إن يفعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين" .

في هذه القصة صورة من صور استعلاء الإيمان، والاعتزاز بالمبدإ، والتحدي للمستكبرين، وفيها موقف شجاع أرعب صف الأعداء، ونزل بردا وسلاما على قلوب. إن مثل هذه المواقف لها تأثير في الموالين قد تفوق أهميته تأثيرها في المناوئين.

مراتب تغيير المنكر

أ-التعرف .
 ب- التعريف

ج - النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى، وذلك فيمن يقدم على المنكر وهو عالم بكونه منكرا
 د- السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن، وذلك يُعدَل إليه عند العجز عن المنع باللطف، وظهور ِمبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح

ه ـ التغيير باليد
 و- التهديد والتخويف

ز- مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح
 ح- أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا فهل يحتاج هذا إلى إذن؟

الأقيس -كما يقول الغزالي – أنه لا يحتاج إلى إذن " لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان، والثواني إلى ثوالث ، وقد ينتهي -لا محالة -إلى التضارب، والتضارب يدعوا إلى التعاون، فلا ينبغي أن يبالَى بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه، ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعا لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمحتسب المحق إن قتل مظلوما فهو شهيد".

نستفيد من ذلك أن الصورة المرسومة في أذهان كثير من الناس لمغير المنكر أنه فرد عابر لا عون له ولا مدد ولا حماية ولا نصرة في مواجهة زحوف الباطل، هذه الصورة ليست هي الصورة التي يرسمها علماء الأمة لتطهير المجتمع من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركات
"سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"