براءة الدين من عجز المتدينين(1)

أحد, 04/16/2017 - 01:36
الشيخ: محمد الأمين بن مزيد

لقد عانى "الفقه السياسي الإسلامي" في فترات معينة من تاريخ الأمة من التطويع والتكييف حتى تشوهت معانيه وفقد روحه، وطغت عليه نظريات التبرير والرضوخ للواقع، حتى كاد يتحول إلى "فقه للخنوع"، وغابت عنه معاني "تغيير المنكر السياسي" و"مقاومة الظلم" و"الانتفاض ضد السلطان الجائر".

وهذه مجموعة من المقالات القيمة في "الفقه السياسي" كتبها الداعية الإسلامي الشيخ الدكتور محمد الأمين بن مزيد في فترة صراع التيار الإسلامي مع نظام معاوية بن الطايع، ولأن المعاني التي تحويها هذه المقالات معاني متجددة رأينا في موقع البشير أن نعيد نشرها تذكيرا للذين سبق وأن قرؤوها، وبلاغا للذين لم يطلعوا عليها من قبل، وإسهاما في توعية الشعوب المسلمة.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد فقد استبشرت خيرا وأنا أتابع أخبار تصدي جمهور المصلين، في بلاد عبد الله بن ياسين لمحاولات اعتداء المعتدين، على الخطباء والدعاة والموجهين، وقد رأيت في ذلك صحوة بعد غفلة، ويقظة بعد غفوة، وإفاقة بعد غيبوبة، ورجوعا إلى الأصل الشرعي الذي يفرض رد العدوان، ونصر المظلوم، والوقوف في وجه الظلم، وتغيير المنكر باليد

وأمَّلت أن يكون هذا بداية نهضة، وأول عهد جديد يعرف فيه الفرد المسلم واجبه فيؤديه، وحقه فيقف عنده ويطالب به، ويقول للظالم : لا

وتشجيعا لهذا الاتجاه، ودعْما لهذا الخط، وتبرئةً للدين من أن يكون إلى جانب المستسلمين للبغي، والراضين بالظلم، والقابلين للضيم أقدم هذا الموضوع بعنوان : "براءة الدين من عجز المتدينين – دروس في المقاومة".

سائلا المولى عز وجل التوفيق والسداد والإخلاص والقبول، راجيا من القراء الكرام أن يعطوا هذا الموضوع ما يستحقه من الوقت حتى يفقهوه، فالعلم قبل القول والعمل. والله الموفق

الدرس الأول

1- روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخْذ مالي ؟ قال : فلا تعطه مالك . قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتلْه. قال أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد. قال : أرأيت إن قتلته؟ قال هو في النار

قال النووي في شرح مسلم : " فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلا أو كثيرا لعموم الأحاديث، وهذا قول الجماهير من العلماء. "

فتستفيد من هذا الحديث الوقوفَ في وجه الظالم الباغي، واستخدامَ القوة في مواجهته، وعدم الرضوخ لطلباته، وبهذا يرتدع الظلمة فلا يكررون المحاولة، أما إذا رضخ المعتدَى عليه وسلَّم لهم ما يطلبون من المال، فسيستمرئ الظلمة الظلم، ويظلون يسلبون ويغصبون وينهبون،
 وفي هذه الحال يكون المستسلِم كأنه متعاون معهم .

فلنحفظ هذا التوجيه النبوي الكريم : فلا تعطه مالك – قاتله .

2 - وفي كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه : " بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط. رواه البخاري .

قال العيني في عمدة القاري : " فلا يعط لأنه خان بطلبه فوق الواجب فإذا ظهرت خيانتُه سقطت طاعتُه" .

فنستفيد من هذا الحديث أن العامل على الزكاة إذا طلب من المال ما لا حق له فإن التوجيه الشرعي في هذه الحالة يدعو إلى المنع، وفي ذلك ردع للظلمة، وصد لهم عن الكسب الحرام .

وقد قال بعضهم إن أحاديث القتال عن المال إنما تعني قتال اللصوص دون غيرهم!

قال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل ردا على هؤلاء وتعليقا على هذا الحديث :" وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال على اللصوص، لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبها السلطان، فافترض عليه السلام منعها إذا سألها على غير ما أمر به عليه السلام، وَلو اجتمع أهلُ الحق ما قواهم أهلُ الباطل" .
 ثم طرح ابن حزم سؤالا ( على لغة العجم ) أو سأل ( على لغة العرب ) القائلين بعدم مواجهة الظلم الرسمي : " ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهودَ أصحابَ أمره، والنصارى جندَه، وألزم المسلمين الجزيةَ، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلماتِ للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلن به لا يدع الصلاة ؟

فإن قالوا لا يجوز القيام عليه . قيل لهم : إنه لا يدع مسلما إلا قتله جملة، وهذا إن ترك أوجب ضرورة ألا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه .

فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة وانسلخوا منه .

وإن قالوا : بل يقامُ عليه ويقاتَل - وهو قولهم - قلنا لهم : فإن قتَل تسعةَ أعشار المسلمين أو جميعَهم إلا واحدا، وسبى من نسائهم كذلك، وأخذ من أموالهم كذلك، فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا. وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك، ولا نزال نحطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد، أو على الغلبة على امرأة واحدة، أو على أخذ مال، أو على انتهاك بشرة بظلم، فإن فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا، وتحكموا بلا دليل، وهذا ما لا يجوز وإن أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق" .
 وهي إلزامات لا جواب عنها إلا الاعتراف بحق المظلوم في مقاومة الظالم رأسا كان هذا الظالم أو مرؤوسا .

3 - وقال الله غز وجل : ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )[سورة الشورى:39]

فقد مدح الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية بالانتقام ممن بغى عليهم بعد أن مدحهم بالإيمان والتوكل على الله عز وجل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقام الصلاة، والشورى في الأمر، والإنفاق مما رزقهم الله، ولا تعارض بين ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الانتصار، وما تضمنته الآيات من المغفرة والعفو، فلكل موضعه

قال أبو السعود في "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" في تفسير هذه الآية : ( وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران، فإن كلا منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه، ورذيلة مذمومة في موقع صاحبه، فإن الحلم عن العاجز ...محمود وعن المتغلب ... مذموم فإنه إغراء على البغي وعليه قول من قال:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكــــته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمــردا
 فوضع الندى في موضع السيف بالعلى * مضر كوضع السيف في موضع الندى)

فنستفيد من هذه الآية الكريمة أن الانتقام من الباغي فضيلة من أهم صفات المؤمنين

أسئلة الدرس :

أ‌- على ضوء ما درست أجب عن الأسئلة التالية :

1 - ما ذا تفعل إذا جاء رجل يريد مصادرة أموالك بغير حق شرعي؟

2 - ماذا تفعل إذا جاء رجل يريد غصب صوتك بغير حق شرعي؟
3 -  ما الإلزامات التي ألزم بها ابن حزم القائلين بالاستسلام للظلم الرسمي؟

4 - ما ذا تفهم من مدح الله للمؤمنين بالانتصار من البغاة في سورة مكية؟
5 -  ما موقع المقولة التالية في دين الإسلام : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر؟

6 - ما رأيك في مسلم يتبنى مذهب غاندي في جانبه العدمي؟
 ب‌- حلل وناقش الأبيات التالية :

1 - وإذا لم يكن من المــوت بــــدٌّ * فمن العجز أن تكون جبــانا

2 - ماضٍ ولو كنتُ وحدي والدُّنا صرخت * بي قف ، مضيت فلم أُبْطِئْ ولم أقفِ

3 - من ظن أن على الوظيفة رزقـَـــه * عبد العبيدَ وناصر الظُّلاَّمــا

جـ - واجب بيتي :

1 - ارجع إلى كتاب الفِصَل في الملل والنحل لابن حزم ولخِّص فصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقارن بمذهب الفيلسوف الإنجليزي هوبز.

2 - اقرأ كتاب : فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام للشيخ علي بلحاج ولخص مسوغات مواجهة الظلم في القانون الوضعي

انتهى الدرس
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .