أزمة الرق في موريتانيا...خطيئة الماضي ..وأزمة الحاضر (04)

أحد, 04/16/2017 - 01:21
محمد سالم ولد محمد

تجارة رابحة

والظاهر إذا أن هذه الحروب - سواء كانت حروب الصراع المتزايد بين القبائل أو حرب الحاج عمر الفوتي - بالإضافة إلى التجارة عبر الصحراء والمحيط الأطلسي كانت البوابة الكبرى للرقيق، فلقد كانت السفن الأوربية ترسو بشكل سنوي على شواطئ المحيط الأطلسي تستقبل مئات العبيد المجلوبين من المنطقة ومن كل الطبقات والفئات الاجتماعية، ويعطي الدكتور عبد الودود ولد الشيخ ملمحا أكثر تحديدا عندما يتحدث أن " البرتغاليين الذين استقروا في حوض آركين في أواسط القرن الخامس عشر كانوا – كما روى كاداموستو – يحصلون من تجارتهم من وادان كل سنة ما بين 700 و 800 رأسا ليحملوها إلى البرتقال.

ويتعدد ذكر العبيد كبضاعة تجارية في الدراسات التاريخية عن موريتانيا حيث ينقل الدكتور محمد المختار ولد السعد عن تاجر الرقيق الفرنسي لويس شامبونو في معرض حديثه عن تجارة الخيول " إنها نادرة وأغلى من العبيد وفيها ما يساوي عبدا واحدا إلى عشرة أو خمسة عشرا عبدا وهي في معظمها خيول من أرض البربر يقوم البيظان ببيعها لهم.

وحتى إن أكثر المدافعين بقوة عن شرعية الاسترقاق في موريتانيا لا يستطيعون تجاوز تلك الفترة المظلمة من تاريخ الاسترقاق في البلد ويوردون " أنه ربما كان بعض تجار العبيد يشترون من بعض اللصوص الذين لا يتقون الله تعالى في بيع الأحرار، وأكل ثمنهم، وقد نبه على هذا العلامة سيدي أحمد بابا التنبكتي، وألف رسالة في الموضوع سماها : (معراج الصعود) وعد القبائل الكافرة التي يجوز استرقاقها، والقبائل التي أسلمت طوعا بلا استيلاء أحد عليهم، وتكلم السلاوي في الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى، وأطنب في الموضوع عند الكلام على دولة المنصور الذهبي السعدي.

ولعل المؤرخ السعدي كان أكثر وضوحا جدا عندما يتحدث عن شناعة " ماعمت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودان مطلقا وجلب القطائع منهم كل سنة، يسمسرون كما تسمسر الدواب بل أفحش، وقد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم حتى صار كثير من العامة يفهمون أن موجب الاسترقاق شرعا هو اسوداد اللون وكونه مجلوبا من تلك الناحية وهذا لعمر الله من أفحش المناكر وأعظمها في الدين.

وبالإضافة إلى التجارة وعمليات الخطف والقرصنة كانت المجاعة هي الأخرى تدفع بعض الأسر - وخصوصا في مجتمع الزنوج - إلى بيع جميع أفرادها أو بعضهم لمن يستطيع الإنفاق عليهم أو يوفر مالا للبقية فيذكر صيدو كان أن " الفقر يدفع بعض العائلات لبيع أبنائها كعبيد من أجل إنقاذ أبناء لها آخرين"، وهو ذات الموقف الذي ينقله الدكتور محمد المختار ولد السعد عن التاجر الفرنسي لويس شامبونو " إن الذي رأيته خلال سفري في فوته خلال شهر يوليو 1678 يمثل عائلات بأكملها تعرض علي نفسها كعبيد شريطة أن أطعهما فقد كانوا يتقاتلون لسرقة الأغذية ولم أشأ أن آخذ منهم من لم أدفع ثمنه للآخرين أو للعبد نفسه".

إن النتائج البسيطة التي يمكن أن نختم بها هذه الجولة المطولة في روافد الرق في مويتانيا يمكن أن تشمل :

أن شرعية الاسترقاق في موريتانيا تتناولها سهام النقد والتشكيك من كل جانب فلا التاريخ ينهض ليثبت أن كل الأرقاء أخذوا من جهاد إسلامي واضح المعالم بين الأهداف محدد في الزمان والمكان وشواهد النخاسة وآثارها وقصصها متزايدة ومتواترة، وعلى حد تعبير البحاثة يحيى ولد احريمو فإن " أكثر من نسبة 90 % من الأرقاء السابقين في موريتانيا كانوا أحرارا _ كما ولدتهم أمهاتهم _ فاستعبدهم الناس ظلما وعدوانا بغير حق شرعي وبيعوا في أسواق النخاسة وأورثوا الرق لذريتهم من بعدهم وهم في ذلك مظلومون" وفق تعبير البحاثة يحيى ولد احريمو.

أن النخاسة وعمليات الخطف والحروب المتبادلة بين المجموعات القاطنة في المجال الموريتاني وفرت أفواجا متزايدة من العبيد والأسرى، وأن خطف الأحرار وبيعهم كان السمة الأبرز لساكنة هذه البلاد، وهو أمر ليس أمرا جديدا في النقاش الفقهي في البلاد ففي رسالة محمد عالي اللمتوني إلى الإمام السيوطي ترد نازلة استرقاق الأحرار كإحدى العلامات الفارقة في تعامل سكان المنطقة فيما بينهم.

ثم إن الاحتجاج بورع السادة في موريتانيا المانع من استرقاق الأحرار أو الإكثار من استرقاقهم لا يبدو حجة قوية في هذا المجال، فالوقائع التاريخية تثبت أن هذا الورع لم يكن قويا أمام موجة الاسترقاق وأن كل الفئات الاجتماعية مارست الاسترقاق، وأن شكاوى الزوايا التي دونوها في عشرات القصائد والآثار التاريخية من اضطراب الأحوال وانتشار الظلم بشكل فظيع لا تدع مجالا لذلك الورع المفترض.

بل يبدو أن بعض الزوايا سلم بالسكوت أغلب تلك الممارسات الشنيعة ضد الأتباع بشكل عام رقيقا كانوا أو "لحمة" حسب ما يشرح صاحب الوسيط " وأما الزوايا فمن عجيب أمرهم أنهم لا يعدون ظلم اللحمة ظلما ويقولون فلان يدافع عن المسلمين إذا كان يدافع عن الزوايا من ظلمهم ولا يقدح في استقامته سفك دماء حسان ولا ظلم اللحمة، ثم أن المعاملات البشعة التي تعرض لها الموالي – وهم المعتقون الخارجون من نير الرق – وهي التي دفعت المؤرخ هارون ولد باب ولد الشيخ سيديا إلى الجزم بتطابق الممارسة الموريتانية للرق مع نظيرتها الرومانية القديمة، تدفع إلى التشكيك بقوة في شرعية الرقيق بل قد يدفع أكثر إلى القول إن الحصول على الأرقاء قد يكون هو الآخر تم عبر الطريقة الرومانية

أن المجال الموريتاني كان طريقا أساسيا من طرق تجارة الرقيق التي انتشرت بقوة خلال القرنين السادس والسابع والثامن عشر وكان المسلك الموريتاني واحدا من أهم مسالك الرقيق طوال قرون متعددة، حيث ترد قديما أسماء طرق أوادغست ومحطات بئر أم اكرين وأنجي وتورين وكدية الجل وملاحة آوليل انتهاء بمدن السنغال ضمن طرق قوافل العبيد بشكل أساسي كما يورد الكاتب السوداني محمد ابراهيم نقد المسلك الموريتاني والتجار الشناقطة ضمن باعة الرقيق والنخاسة الذين أسهموا في حركة الرق في السودان " استخدم التجار المغاربة والشناقيط من موريتانيا سلعتين نادرتين ومرغوبتين في السلطنات هي الملح والأسلحة النارية فكان سعر الولد 15 طلقة، وسعر البنت 10-20 طلقة.

وبين جهاد مضطرب المعالم والعوالم وحروب ضروس أرقت ساكني هذا المجال الجغرافي وأراقت دماء كثيرا وفترات زمنية من الغموض التاريخي لاتزال عصية على الاستكناه الكامل، وبين تجارة واسعة استبضعت كل شيء الإنسان والأرض والحيوان، يبقى نصيب الشرعية من الرق قليلا جدا خافتا كضوء العدالة والاستقرار في هذه الأرض، ألم تكن الأرض السائبة؟

أما معاملة الرقيق، فلعل في العبارة السابقة التي صدرنا بها هذا النص كفاية للإنصاف، وإذا أضفنا إليها العبارة الذائعة التي تنسب إلى الشيخ باب ولد الشيخ سيديا من " لو نجا أهل هذه البلاد من حقوق العبيد وترك الوضوء ضمنوا دخول الجنة أجمعين" علمنا أن البلد لم يكن بخير
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل