أزمة الرق في موريتانيا...خطيئة الماضي ..وأزمة الحاضر (03)

أحد, 04/16/2017 - 00:58
محمد سالم ولد محمد

النخاسة والحروب

شهد المجال الموريتاني حركة تجارية فعالة وقوية، وكان العبيد دون شك من أبرز البضائع التي يكثر عليها الطلب من حين لآخر، بل كانت مع الصمغ العربي أهم صادرات المجال الموريتاني، وتكشف بعض الأرقام التي تتداولها وثائق تجارة الرقيق تطورا ,رواجا غير مسبوق لتجارة الإنسان تلك.
 ويؤكد العربي ولد السالك أن "التبادل التجاري مع الإمارات المغربية ساهم في إنعاش ظاهرة العبودية، حيث يتم تبادل الملح والنحاس من جهة مع الذهب والعبيد الموجودين بكثرة في أفريقيا السوداء من جهة أخرى عن طريق ما يعرف بالتجارة عبر الصحراء"

والظاهر أن الأرباح الكثيرة التي تدرها تلك التجارة حركت عمليات نهب وخطف واسعة ويشرح العلامة محمد فال ولد عبد الله هذا الاحتمال قائلا" وتجار العبيد كانوا في الزمن القديم يرحلون إلى بلاد السودان ويسرقون أبناءهم ويبيعونهم، والسودان أيضا كان القوي منهم يبيع الضعيف وفيهم المسلمون ومن هذا يحصل الشك في رق هؤلاء العبيد".

ولا يبعد عن هذا الاعتبار قاضي تمبكتو سيدي محمد بن أحمد في رده على أسئلة الفقيه محمد بن محمود بن أبي بكر بشأن الأرقاء الذين تبدو عليهم إمارات الإسلام حفظا للقرآن وممارسة للشعائر " فبيع الأحرار في هذه البلاد فشا فشوا كبيرا فكل من ادعى الحرية فهو مصدق مالم يتبين كذبه أتاكم من هذه الناحية أو ناحية وادان أو أي ناحية غيرها.

وتتواتر النصوص الإفتائية في هذا الصدد وتتكاثر ..ومن تلك الشواهد ما أورده الدكتور علي يعقوب في بحثه عن الأسس التربوية لحركة الحاج عمر الفوتي عن الشيخ سليمان بال " و في إحدى جولاته في البلاد وجد شابا مربوطا بالحبال ويتلو القرآن الكريم، وسأله عن سبب ربطه، فقال له : أنا تلميذ كنت أمشي في حال سبيلي فلقيني هؤلاء الناس وهجموا علي وشدوني بالحبال، وهم الآن يذهبون بي إلى ميناء (سان لويس) ليبيعوني للبيض، وما كان من الشيخ إلا أن طلب إطلاق سراح التلميذ، ولما رفضوا نفض واثبا عليهم مع تلاميذه فنصره الله عليهم وأطلق سراحه
 وتطرد الشواهد على بيع الأحرار بشكل خاص بفعل النهب وعمليات الخطف والحروب الشائعة بين سكان المنطقة حيث نجد حادثة مماثلة في نص إفتائي للشيخ أبو بكر بن عبد الله البارتيلي حين يشتري رجل يدعى عبد الحي أحد أبناء شريحة السوننكي يدعي مامي بن ماما " وبحوار بسيط بين البارتيلي والعبد مامي يتبين الفقيه فداحة الخطب فيكتب ضمن فتواه " وسألته عن نسبه فإذا هو من اسوانك وإذا هو يقرأ القرآن ويصلي وظهر عليه وسم الإسلام ويحفظ بعض سور القرآن كإنا فتحنا لك وغير ذلك وعبد الحق اشتراه في زمن فشا فيه بيع الأحرار وهو حر والشرع يصدقه في ذلك وأنا صدقته فحكمت بأنه حر ولا يحل لمن اشتراه أن يتملكه أو يبيعه لأنه حر ومن فعل ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم خصيمه".

وفي حادثة ثالثة نجد فتوى مماثلة للفقيه محمد بن الأمين (حنكوش العلوي ) في رسالة موجهة إلى قبيلة اديبسات بشأن حر ابتاعه منهم رجل يدعى الحسن ولد المختار ولد اعل يدعو فيها إلى رد البيع وأخذ ثمن المبيع بعد أن ثبتت حريته مذكرا بتصريح بن فرحون المالكي بأن " مدعي الحرية صغيرا كان أو كبيرا يقبل قوله لأن الأصل في الناس الحرية" .

وتظهر مأساة العلامة الجليل مجتهد المالكية في عصره أحمد باب التمبكتي انتشار هذا العمل الاسترقاقي البغيض بين أغلب الأصول المشكلة للمجموعات الموريتانية حيث نقل ضمن مجموعات الأرقاء المتكاثرة التي استجلبها القائد السعدي الباشا محمود ضمن حملة الباشا جؤدر ضد السودان وممالك السنغاي المالية سنة 1591 هـ/999م.

فوضى الاسترقاق

يذهب المؤرخ صيدو كان بشكل قاطع إلى اعتبار " النزاعات في الفضاء الموريتاني كانت المصدر الأساسي للاسترقاق، كما كانت دوما تعيد تشكيل المجموعات الاجتماعية والثقافية وأفراد كل مجموعة وجدوا أنفسهم ذات مرة مستعبدين من قبل الغير وهكذا فإن العبيد ينحدرون من كل قوميات الفضاء الموريتاني والفضاءات المجاورة لها.

ويبدو أن الاسترقاق بسبب الخطف والنخاسة كان العلامة الأبرز التي ميزت العلاقة المضطربة بين سكان المنطقة من البيظان والزنوج على حد سواء فقد " كانت عادات السود عندما يهزمون البيض تقوم على إبادة الذكور والاحتفاظ بالنساء والسبب في ذلك يرجع لجاجتهم إلى التخلص من عبء جديد في مجتمع زراعي، يسعى إلى تعويض اليد العاملة وتنضاف إلى ذلك المصاعب التي يعاني منها البيظان البداة في البقاء على قيد الحياة في مناطق رطبة في الضفة حيث أمراض الملاريا ومختلف الطفيليات.

ويضيف كان إن" وجود البيظان مستعبدين أمر تؤكده شواهد كثيرة " فالقاطنون في ديمار (dimar) ووالو (waolo) أغلبهم من أصول بيظانية كما أن المنهزمين من قبائل أولاد رزك قد استغلوا إلى جانب " أزناكة انكيدي" المقيمين في ديمار وكذا بعض أولاد أبيري وبعض هؤلاء يوجدون في انتيكان ولهم أبناء عمومة في أولاد أبيري وبقوا بيظانا ويوجدون في بوتلميت..غير أن هؤلاء البيظان المسترقين سرعان ما اكتسبت أجيالهم اللاحقة السحنة السوداء – كما يقضي بذلك قانون مندل الوراثي - واللسان الزنجي ثم ضربت عليهم ذلة الاسترقاق، حسب الباحث كان.

ولا يبدو الحديث عن استرقاق الزنوج للبيظان إلا تكرار لعبارة الشيخ محمد اليدالي " إن أبا الفاضل الكوري قد استخلص منهم أسارى كثيرة من الزوايا وكان ملوك السودان يغيرون على الزوايا ويأسرون ذراريهم ونساءهم.

وفي ذات الصدد ينقل الأستاذ محمد عبد الرحمن ولد الدنبجة عن تقارير فرنسية اطلع عليها في مركز إرشيف ما وراء البحار في باريس امتعاض بعض الإداريين الفرنسيين من معاقبة حكومة بلادهم للشيخ حماه الله الذي يتميز عن كل معاصريه بأنه يعارض الرق ويدعم تدريس البنات

وكمثال آخر على تواتر هذه العادة الشنيعة، نجد نصا إفتائيا آخر للشيخ محمد يحيى ولد محمد المختار الولاتي يحمل اسم : منهاج الأبرار في رد حكم من حكم باسترقاق الأحرار ويمكن الجزم أن الولاتي لم يؤلف هذه الرسالة إثراء للمكتبة وسعيا لترف علمي، بل كانت تعبيرا عن أزمة خانقة واقعة.

وظل سؤال بيع الأحرار يلح بنفسه في كل فترة من فترات التاريخ الموريتاني والفتاوى السابقة، وتعبيرات الفقهاء الموريتانين بأن بيع الأحرار " فشا فشوا كبيرا" وإدانتهم " لأعمال " التجار اللصوص " تكفي في التشكيك إلى حد كبير في الاسترقاق في موريتانيا.

بل يذهب الأستاذ محمدو ولد البار إلى مستوى من التأكيد أكثر " والحمد لله بين أفراد ظهرانينا أفراد الجيل الذي أدركوه وهم يدركون عن كثب أن أكثر الأرقاء الموجودين في موريتانيا جاءوا عن طريق القرصنة أو الغصب أو الاختطاف وهذا الاختطاف كان يقع بين القبائل المسلمة والكافرة وبين القبائل المسلمة نفسها ناهيك عن كثرة ما يذكر في التاريخ من جلب بعض الملوك الأفارقة المسلمين للأشخاص لبيعهم لمن يسترقهم، ويؤكد الدكتور الدنبجة أنه أدرك بشكل خاص بعض المسنين يتحدثون عن مغامراتهم في هذا المجال وعمليات الخطف التي نفذوها ضد أطفال ونساء ومراهقين من أبناء الضفة.

ولقد أنشأت علاقات الفداء وعلاقات " آزناكة" مع المجتمع الجديد مستوى قريبا من الاسترقاق بلغ حد توارث الرقاب والسيطرة على الأموال والولاء، ويشرح صاحب الوسيط هذه العلاقة شرحا مفصلا حين يقول " وصارت حسان تتناهب الأموال ويقاتل بعضهم بعضا، وصار ما كانوا يأخذونه من اللحمة (أزناكه) ملكا متوارثا إلى أن صاروا يبتاعون رقاب اللحمة أعني أن يبيع أحدهم من يتولاه للآخر، مع اعترافهم بأنهم أحرار ولا يعنون بالبيع الاسترقاق الشرعي بل مرادهم بيع المكس الذي يؤخذ من أحدهم" ويزيد ابن حامد هذا المعنى وضوحا حيث يقول " وهم يتبايعون في الأصحاب ويرثهم منهم الذكور دون الإناث".