إلى شبابنا

أحد, 04/16/2017 - 00:57
محمد فال ولد الشيخ

إلى شبابنا الذين تتقاذفهم أمواج المجهول، وتتنازعهم دروب الفراغ الموحشة، إلى هؤلاء أوجه خطابي، ومن خلالهم إلى المجتمع أبث شكواي وهمومي، وقد سرني أن تكون النافذة التي أطل منها على شبابنا، والوسيلة التي أخاطب منها مجتمعنا، هي إحدي ثمرات لحظات صحو لمجموعة من شبابنا ـ لا يفوتني في هذه السانحة إلا أن أثمنها وأستبشربها ـ والذي دفعني إلى الكتابة في موضوع حساس كهذا إنما هو الغيرة وربما الحمية تجاه شباب في عمر الزهور يسيرون في الطريق وحدهم بعد أن تخاذل عن مرافقتهم الدليل، فهاموا على وجوههم يتلمسون طريقهم، ويتحسسون سبيلهم، وكلما مروا علي حي سألوهم أين الطريق؟! فينتدبون من يزعم المعرفة بالطري ، ولكن معرفته لم توصل هؤلاء إلى السبيل ...

ولكن ما فائدة وصف الطريق وقد نصب الجميع أنفسهم هداة ومرشدين، وما ذا يضيرني لو ناديت مع المنادين، وسعيت مع الساعين، وما قولى غدا وأنا أرى الكثرة الكاثرة من شبابنا يتكسعون فى الشوارع والمحلات، وقد امتلأت قلوبهم بكل شيء إلا ما هو مفيد، ولهثت ألسنتهم، إلا بما ينفعهم، وهي لعمري معضلة ما بعدها معضلة، وكارثة ما فوقها كارثة، لكني أخالف الآخرين فأضع جزءا كبيرا من المسؤولية على المجتمع فما أسهل أن نحمل على الطرف الضعيف ... التائه... الضائع ... ونترك من أرسله من غير رفيق، وتركه من غير شفيق .. إننا نحصد ما زرعناه نتيجة سياسة التجهيل واللامبالات التي ينتهجها مجتمعنا تجاه الشباب، ويكمن أبرزمعالم هذه السياسة فى ما يلى :

(1)ــ المدرسة الأولى: وتتمثل في الوالدين فقد أصبح دورهما مقتصرا على تغذية جسم الطفل وتسمينه، تماما كالعجول ـ أعزكم الله ـ وخوفهما من أي خطإ أو تقصير فى هذه الناحية أما المسؤولية عن عقله وقلبه وما وراء ذلك مما يميز الإنسان عن الحيوان فلا اهتمام للآباء والأمهات به، إلا من رحم ربي.

(2)ــ أما السبب الثاني فهو انتشار ثقافة البطالين والفارغين: فإذا ما فشل فاشل في دراسته أو حياته، فإنه يجد الأبواب المشرعة، والصدور المفتوحة، والثغور الباسمة، والمجالس المفسوحة، فيتساءل المغرور وما ضرورة الدراسة إذن؟! وما فائدة العمل؟! بل أين ذلك الطالب البائس الذى يطرق باب كل شيخ؟! ويندس في كل مجلس توسم فيه المنفعة، أين هو من هذه المجالس التي يحفها المرح وتغمر أهلها المسرات والحبور؟! وقد نقل الإمام الغزالي فى الإحياء دعاء سمع من أحد الصالحين: اللهم إني ( أعوذ بك من مقام الكذابين (و)أعوذ بك من أعمال البطالين، (و) أعوذ بك من إعراض الغافلين).

(3)ــ وثالثة الأثافي: هبوط الهمم، وضعف العزائم، وانتشار الشهوانية الحيوانية بتأثير من الإعلام الوافد بوسائطه المتعددة التي دخلت كل بيت، وحطمت كل سور، كل ذلك واجهناه بسلبية عجيبة، ولا مبالات غريبة، وأخشي أن عقلاءنا ما زالو غافلين، ومغترين ببعض مظاهر الخير الموجودة في مجتمعنا: من مساجد عامرة، وعادات راسخة، وقيم متوارثة، وتلك حقيقة لا ننكرها ونزيد عليها بالتذكير بما رواه الإمام مالك فى الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم). ولكننا نحذر" من شر قد اقترب"، ومن أجيال تتربى في المدارس على غير ما تربينا عليه، وتتلقي كل معلوماتها وثقافتها من مصادر غير مأمونة بل هي حاقدة ومعادية، والدليل علي ذلك أنها تذيع ثقافة الهدم، والميوعة، والسفور، والإختلاط، والصور الخليعة ... فأي هدم أكثر من هذا؟! وأي تدمير أفظع من هذا؟! خبروني بربكم ألا يحق لنا أن نتساءل ونحن نشاهد شبابنا يتكسعون فى الشوارع ، ويملؤون الأرصفة والمحلات ، أين هي الأخلاق العظيمة التي نزعم أن مجتمعنا العربي المسلم يتحلي بها؟! وأين ذلك من شيم الفتي العربي وأخلاقه؟! أليس عنترة ـ ذلك الجاهلي الجلف ـ أحق من هؤلاء بالتحضر والأخلاق حين يقول:
 وأغض طرفي ما بدت لي جارتي .. حتي يواري جارتي مأواها

ألا ما أصدق وأجمل ما صدر به أديب مصر العظيم مصطفى لطفى المنفلوظى قصته الشهيرة " الفضيلة " حيث يقول "يعجبني من الفتي الشجاعة والإقدام، ومن الفتاة الأدب والحياء، لأن شجاعة الفتي ملاك أخلاقه كلها، ولأن حياء الفتاة جمالها الذي لا جمال لها سواه".
 أود أن أتخيل مجلسا من مجالس شبابنا يتبادلون فيه السمر ويحتسون فيه كؤوس الشاي المترعة، ثم أقتحم عليهم خلوتهم، وأفسد عليهم هدأتهم، ثم أسائلهم: كيف تجلسون والدنيا كلها قائمة؟! أم كيف تهدئون والحياة مائجة؟! أما سمعتم بما حدث؟! أنت يا أحمد ! هل نسيت أن جدك كان يحفظ ديوان المتنبي؟! ألم تسمعه يوما ينشد قصيدته لما أصابته الحمي، وقد هم بالرحيل عن مصر بعد ما يئس من بلوغ مراده؟! ما دمت قد نسيت يا أحمد فلا بأس بأن أذكرك بمطلعها:
ملومكما يجل عن الملام .. ووقع فعاله فوق الكلام 
ذراني والفلاة بلا دليل .. ووجهي والهجير بلا لثام
فإني أستريح بذي وهذا .. وأتعب بالإناخة والمقام
ألم تتذكر جدك يا أحمد وصوته يعلو حين يبلغ هذه الأبيات :
عجبت لمــــن له قد وحـــــــــد .. وينبو نبوة القضـــم الكهام
ومن يجد الطريق إلى المعالي .. فلا يذر المطــــــي بلا سنام
 ولم أرفي عـــيوب الناس شيئا .. كنقص القادرين على التمام

نشر المقال سنة 2010م في جريدة المنتدي الثقافي لشباب قرية علبادرس