سحر البيان

أحد, 04/16/2017 - 00:41
إخليهن ولد الرجل

" الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان".
 البيان هو تعبير الإنسان عن خواطره ومشاعره، وقدرته على إقناع الآخرين بقناعاته، وأفكاره ورؤاه، وهو ليس مختصا باللسان، ولا بالكلام، بل هو كل تعبير صادق عن معنى من المعاني، بأي شكل من أشكال التعبير.
 قال أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ: ( والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان ومن أي جنس كان ذلك الدليل لان مدار الأمر والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذاك هو البيان ) (البيان والتبيين (1/42).
 وبعض البيان له وقع على النفوس، هو أشبه ما يكون بوقع السحر، وتأثيره. روى مالك في الموطأ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً". أَوْ قَالَ: "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ".

( والبيان من نتاج العلم والعي من نتاج الجهل، وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم ) (البيان والتبيين (1/42).
 فالمعارف تشحذ القدرات العقلية، وتوسع الأفق الذهني، وتساهم بشكل كبير في تشكيل العقل وبناء نمط تفكيره، وكل ما كانت معارف الإنسان أكثر وأشمل، كلما كانت مقدرته على استيعاب الأفكار والرؤى أكبر، وكلما كان الاستيعاب أكبر كلما سهل الشرح التعبير.
وهذا الذي أتاح للشاعر العربي أن يفخر، ويقول:
ومقــــــــــــــــــام ضيق فرجته ... بلســـــــــــــاني ومقامي وجدل
وكان ابن عبّاس رضي الله عنه موصوفا بأنه:
إذا قال لـــم يتــــــــــرك مقالاً لقائلٍ ... بمنطلــــــقاتٍ لا ترى بينها فصلا
 شفى وكفى ما في النّفوس فلم يدع ... لذي إربةٍ في القول جدّاً ولا هزلا

وكان الصحابي الجليل سهيل بن عمرو رضي الله عنه إذا خطب أصاخ الناس الخطبته واقتنعوا بما يقول، ولذلك لروعة بيانه وقدرته العالية على الجدال والإقناع، حتى قالوا أنه كان إذا أراد أن يقنع الناس بأن الأرض أعلى والسماء أسفل لأقنعهم بذلك، وحينما فتح المسلمون مكة اقترح عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتلع ثنيتيه حتى لا يضلل الناس بكلامه (وكان يومئذ مشركا)، فقال له: "لعل الله يريك منه موقفا يسرك" أو كما قال، ثم مرت الأيام وأسلم سهيل، فلما كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت أحياء العرب عن الإسلام، وقف سهيل في أهل مكة خطيبا، فكان موقفه ذلك سببا في ثباتهم على الإسلام.

وعندما وقفت جيوش هتلر على مشارف باريس، جاء مسيقار فرنسي شهير إلى ديكول يبكي ومعه بندقيته يريد أن يقاتل المحتل، فقال له ديكول: نحن لدينا مقاتلون كثر، ونحن أحوج الآن إلى عزفك وألحانك منا إلى بندقيتك. 
وهذه لفتة عميقة ورائعة من ديكول إلى دور الأدب والفن في التأثير على النفوس، وحسم المعركة.
 وما ذك إلا لأن الأدب والفن والرمز تحرك العواطف فتولد لديها أشواق الحرية، فتوجد التضحيات والبطولات النادرة، فتتحرر الأوطان ويتغير مسار التاريخ.

وكان فيثاغورس قبله قد اكتشف شيئا من هذا فزعم أنه: ( يمكن تطهير النفس بتعلم الفيزياء والرياضيات والموسيقى ).
 وهو واهم في ذلك لا شك، فالنفس لا يهذبها إلا الإيمان بالله وعمل الصالحات، لكن الأدب والفن والرمز تزيد إرهافها وتؤثر على عواطفها وتدفعها نحو الفعل الإيجابي- كما يرى الراشد - وهذا ما أحس به فيثاغورس فأراد توصيفه فأبعد..وحجبه كفره عن رؤية الحق.

ومن القصص التي تحمل دلالة عميقة ما رواه الأصفهاني في الأغاني (3/47): من"أن تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بخُمر فباعها كلها وبقيت السود منها فلم تنفق وكان صديقا للدارمي فشكا ذاك إليه، فقال له لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع، ثم قال:
قُلْ للمليحةِ في الخِمَارِ الأسودِ ...ماذا صَنَعتِ بناســــــك متعبِّدِ
قد كان شَمِّر للصــــــــلاة ثيابَه ... حتى وقَفتِ له ببابِ المسجدِ
ردي عليه صــــــــلاته وصيامه ... لا تقتليه بحـــــق دين محمد
 فلما انتشرت الأبيات في المدينة وسمعها الناس حركت مشاعرهم وأجاشت عواطفهم، فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع العراقي منها".
 فانظر إلى الدارمي كيف أنه ببليغ بيانه، وجزالة كلامه سحر لألباب، وحرف القناعات فراجت البضاعة الكاسدة التي ما كان يسأل عنها بالأمس القريب أحد.

ويليق لدعاة الإسلام أن يستحضروا هذه المعاني، فيحرصوا على كل كلمة خير، وكل بيان جزل من شأنه أن يجتذب الآخرين ويشد أنظارهم نحو جمال الإسلام، ويزيد قناعتهم بفكر الدعوة، ويعمق ولاءهم لها، وأن يتجاوزا الأساليب العتيقة التي ما عادت تغري الآخرين وما عاد أحد يصغي لها.
وأن يحرصوا على تطوير أدائهم في الخطب والدروس والمحاضرات مع مراعاة جودة مضمونها وبلاغة أسلوبها، وأن يوظفوا الأدب والنشيد، ويستخدموا المسرح والرسم والفن التشكيلي، وكل أساليب التعبير التي لا تتنافى مع عقائد الإسلام وقيمه.
وحينئذ ستصغي لهم الآذان وتفتح لهم القلوب ويأنس لهم الناس، وتسري أفكارهم إلى العقول والأرواح دون كبير عناء. وربك الهادي إلى سواء السبيل، وهو الموفق لفعل الخير.