ثلاث كلمات عن الأدب الإسلامي الشاب في موريتانيا

أحد, 04/16/2017 - 00:39
سيد محمد أحمد عيسى

 ما هذه العجالة ببحث أكاديمي، ولا بقراءة نقدية علمية تتوخى الشروط التقليدية للقراءات النقدية، ولا هي أيضا بالمتحررة من كل المعايير النقدية، فهي تنظر في المضمون، أكثر مما تنظر في الشكل، وتهتم بالشكل بقدر ما يصدق عليه اسم شعر وأدب وفن.. من ناحية وبقدر ما يخدم المضامين التي تريد هذه العجلات التوقف عندها في كلمات ثلاث ربما تكون من أبرز ما ميز الأدب الموريتاني الشاب من نهاية تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم.
 ولعل أبرز مميزات الأدب الإسلامي الشاب في موريتانيا خلال الفترة المذكورة أعلاه، إذا ما قورن مع الأدب الإسلامي الموريتاني السابق على تلك الفترة، هي:

1-التصالح مع الأشياء: فهو أدب يتصالح مع الكون والإنسان والحياة من ناحية كسائر أنواع الأدب الإسلامي الأخرى، إلا أنه إلى ذلك يتصالح مع الذات بميزاتها الجغرافية والسياسية والثقافية والاجتماعية، مع تعاليه على بعض القضايا الاجتماعية التي لا تتماشى مع الرؤية المؤطرة له "الرؤية الإسلامية"، وإن كانت هذه الميزة أبرز في شعبيه من فصيحه.. (اطلع الشيخ محمد ولد أبواه حول السنة وحول الوحدة الوطنية، وكذلك إبداعات محمد الامين ولد محمد المصطفى في الوحدة الوطنية...)، فتراه يلج جغرافيا موريتانيا من شرقها إلى غربها بماضيها وحاضرها وتلالها وسهولها... بل بنباتاتها والبكاء على أطلالها، وخير مثال على ذلك قصيدة الدكتور عبدوتي ولد عالي:
بعيدا عن ثراك ثوى الغريب
 ورغم البعد طيفك لا يغيب

وبعد هذا التقديم نجده مباشرة يوجز لنا التصالح مع الماضي والحاضر والبيئة... فيقول متحدثا عن الأسلاف:
رويدك.. إنهم نبتوا قتادا
قوافلهم هنا مرت فتوحا
هنا ولدوا هنا اكتسبوا المعالي
هنا حفروا على الصوان مجدا
وهذا السهل من دمهم خضيب
من الإيمان موكبها مهيب
هنا صمدوا وموقفهم عصيب
 سيبقى لا يخيب ولا يشيب

وغني عن الذكر الإشارة إلى ما تحمله القصيدة من تغن بأمجاد السابقين الجهادية والعلمية...
 وغير بعيد عن التصالح مع الماضي المعرفي نجد المختار ولد نافع في مديحيته للشيخ الددو يسهب في هذا المجال، ويعدد أسماء أشهر علماء موريتانيا الماضين، وبعض من الحاضرين... فيقول:
...دهر ابن الاعمش والمامي ونابغة
والفوتي وابن حماه الله وابن فتى
والشيخ سديدي والديماني بابتنا
والكصري وابن ما يابا والتلاميد
وحرم والمجلسيين الأماجيد
 وادييج وابني ألما الفتية الصيد

ونفس التعبير نجده عند الشيخ أحمد بن البان في قوله:
سائل كثيب الرمل سل هذي الكدى
من هاهنا مرت خيول قوافل الـــ
والبحر سله يبثك الأخبارا
 ـأجداد تحمل للورى الأنوارا

ونفس التفاعل والتصالح نجده في نشيد آخر يقول فيه أحد الشعراء:
أيا شنقيط بشراك
ويا مهدا عشقناك
أمانينا بأن ترقى
منارا يرشد الخلقا
وأن تشدو بك الورقا
من الشرق إلى الغرب
ستبنيك أيادينا
أمانيك أمانينا
إلى العليا وأن تبقى
رباطا للمصلينا
أناشيدا تسلينا
 إلى الوديان والهضب....

ففي هذا النص تجتمع آمال المستقبل بأمجاد الماضي، ويعانق منار الإرشاد رباط الجهاد، وتلتحم الطبيعة في جمالها الشادية به طيورها بتضاريسه المتنوعة...

2-المفاهيم المتميزة: وهذا الأدب وإن كان متصالحا مع الأشياء كما مر إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يأخذ لنفسه مفاهيمه المميزة، وطريقته الفريدة في التعبير والاصطلاح؛ فمثلا حين نأخذ كلمة الحب نجد الشعر الإسلامي في موريتانيا يحاول جاهدا عدم التفريط فيها أو إلغائها، وبنفس القوة الاندفاعية يحاول صبغها دلاليا بمعان مخالفة للمعاني الدلالية التي كانت تحمل، فهذا الشيخ أحمد ولد البان يقارب الموضوع في قوله:
لا تقولي :كفرتَ بالحب؛ كلا
حبنا اليوم نفحة من ضياء الشـ
حبنا اليوم طائر في الأعالي
حبنا اليوم طاهر نرتويه
إنما الحب في وتين الوتين
ـمس تسمو على التراب المهين
رفرفت ريشه بكل ثمين
 من معين القرآن عذب المعين

فهو حساس حين يوصف بالكفر بالحب، وبنفس الحساسية أو أقوى يقابل مفهوم الحب العتيق، ليستبدله بمفهوم جديد منطلق من معين القرآن، فهو إذن حب علوي سماوي حر، وكأن الشاعر يقابل هذه الصفات المميزة لحبه بصفات الحب العادي الأرضي الطيني المقيد...!
 ونفس الشيء نجده عند آخر في تحديده لعيد الحب الذي يعترف به، لكنه يحدد له معنى مخالفا للمعنى المتبادر للعيد أولا، وللمعنى المعهود لعيد الحب ثانيا، وكأنه نوع غيرة على عيد الحب من تباعد ذكراه، فيقول:
..والحب ليس له عيد نحدده
 فعيده كل وقت كان قد أزفا

وقد لا نستغرب هذا الشطط إذا ما عدنا إلى مفهوم الحب عند هذا الشاعر الذي أعطاه بعدا جديدا أكثر شمولية وتحررا من المعنى المعهود حيث قال:
الحب معنى عميق ليس يدركه
فهو السعادة في أبهى مظاهرها
وهْو الوفاء وهُو الإخلاص أجمعه
وهو التغني بمجد طاب ثمرته
وهو التغني بروح الكون يعزفه
إلا الذي من رحيق الحب قد رشفا
وهو الجمال إذا إحساسه رهفا
وهو التذكر إما صارف صرفا
وازينت بسناه الأرض فاقتطفا
 ناي التكامل معه حيثما عزفا

ونفس التحريف للمعنى واستبداله بمعنى جديد مع الحفاظ على اللفظ نجده في كلمة العيد التي غير الشيخ أحمد ولد البان مدلولها الضيق (يوم احتفال، وأدوات زينة) إلى مدلول واسع رحب في قوله:
ليس عيدي بساعة من لجين
ليس عيدي بكبريات صحاف
ذاك عيد الصغار إن لداتي
إن عيدي بأن أرى الحق يعلو
إن عيدي ليوم أسجد شكرا
صممت في جنيف أو مدريد
كللت بالعصيد أو بالثريد
لا ترى العيد في نثار الورود
إن عيدي بأن أقر وجودي
 في حمى القدس للحميد المجيد

وحتى مفهوم الشعر يتغير عند الشاعر الإسلامي الموريتاني من تعبير فني عن مشاعر بغض النظر عن طبيعتها إلى "وقف" إسلامي على قضايا معينة يراها الأدباء الإسلاميون تستحق لوحدها وقف الشعر عليها، يقول الشيخ أحمد بن البان في هذا المجال:
لا أعرف الشعر إلا حين أحمله
جرحا ينز بآهاتي وزلزلة
ما بعت شعري ولا تاجرت قافية
أوقفتها لأنين الطفل أرصده
أحنو عليه كأم ودعته على
فهكذا الشعر عندي لو يخالفني
هما يسافر في أحشاء أحشائي
في بؤرة الذات تنفي غير سيماء
أوقفتها لبناء العالم الجائي
في ظلمة الليل يشكو مس ضراء
كره وأحضنه حضن الأشقاء
 شعري عليه لكنت الهاجر النائي

ويعرف آخر الشعر باعتباره الصدق وحصر الشعر عليه وتحمل مرارة التصريح به، ونفي ما سوى ذلك، فيقول:
الشعر ليس عبارات منمقة
ولا محاباة من ساسوا الأمور ولا
لكنه الصدق يكوينا فيكتبنا
من زخرف القول فيها الغش والكذب
تطبيل منحرف في نفسه أرب
 وحبره من دماء القلب ينتخب

ويشتط آخر في تضييق مفهوم الشعر عنده حتى يحصره في سياق خاص محدد هو إحساس بالظلم أو تعبير عن إحساسات الآخرين به، في تفاعل وتماه تام مع قضايا الأمة والمظلومين، ويعد ما سوى ذلك من الشعر من عبادة الأصنام وتمتمات الوثنيين فيقول:
الشعر دمعة طفل مات والده
أو أنة من سجين طال محبسه
أو هو صراخ لأهل حال بينهم
إن لم يك الشعر هذا فهو تمتمة
أو صرخة من مريض يشتكي ألما
ولم يجد في ظلام السجن جرعة ما
طول الجدار وظلم الثلة اللؤما
 من خائن خاسر يدعو بها صنما

وبنفس الوتيرة نجد شاعرا آخر يغير مفهوم الوطن الإقليمي ليجعله الأرض مع استقلال هذا الموطن في حقه كإنسان مسلم خليفة لله في أرضه فيقول:
وطني الأرض، وقلت موطنا
 وطموحي فوق أبراج السما

ومن المفهوم الجديد للوطن ننطلق إلى النقطة الثالثة، وهي:

3-البعد العالمي: حيث يتحرر الشاعر من المفاهيم المقيدة، والقيم المحلية والمستوردة معا ليلتحم بمصدر تشريعه القرآن ومصدر تبيينه السنة ويدلف من خلالهما إلى وطن رحب يستصغر الأرض فكيف بجزء منها!؟ يتجلى ذلك البعد العالمي في التصالح مع حملة المشروع الإسلامي حيث كانوا، وأينما كانوا؛ ويمكن أن نلمح ذلك في قول المختار بن نافع في قصيدته التي يمدح بها الشيخ الددو:
جمعت علم ألاء القوم من سلف
ونجل باديس والكنون والندوي
ودعوة الفاسي والبنا ومودودي
 وسَيِّدٍ والتلمساني الأجاويد

ولنختم الجولة في هذا البعد العالمي، الشمولي، المتفاعل مع الأدب العالمي بل ومع الأديان –في غير ما إقرار باطل- والذي نجده جليا في قصيدة "عبق الكفاح" التي يقول الشاعر فيها:
بغداد جُرحكِ نازفٌ
ومساؤك الممتدُّ يوغل في المواجع
هذي المفارز في وريدكِ خنجر
يلهو به حقدُ الطوائف والمغولْ
لم يقرؤوا ( عِشْتارَ ) عنكِ أيتها البتولْ
كلا ولا فتحوا دواوين الفحول
شمس الحضارة من ثُديِّكِ ترتوي
 والصبح يغسل وجهَه ماءُ الفرات 
أيام كان عطاؤكِ ( السَّيَّابُ ) يمنح للوجود الطعمَ والمعنى ورائحةَ السؤال
أيام لا تَعصي لحاكمكِ الغيومُ إشارةً
مهما الرياح توجهت يأتي الخراج
يا روعة الزمن الذي اخترع الكتابة والحروف الأبجديةْ
مَن ذا يُقدِّر للمتاحف قدرها ؟
وحَصادُ آلاف السنينَ يصير نَهباً للكلاب !
ونَعودُ نَنْكُتُ في التراب
مَن سوَّد الغِرَّ المليءَ غباوةً ؟
حتى أتاكِ ( مبشِّرا ) بالجيش يتبعه الخراب!
 عزفا على وتر الغرور يدوس تاريخ البشر 
ليسود في ذا العصر مَن يرعى البقر !
بغداد حرفكِ لم يزل متألقًا رغم الجراحْ
يرنو إلى القدس التي لم تندمل آهاتُها
ونزيفها سكن الشوارع والمعابر
عمر المساجد .. والمعابد .. والمخافر ..
قرع الكنائس .. والمدارس .. والملاعب ..
ستون عاماً والمآذن لا تكُفُّ عن النواحْ
ستون عاماً قُبةُ الأقصى تُسطِّر في بطولات الملاحم
ومواكب الشهداء أجملُ وردة تسقي الثرى عبقَ الكفاحْ
ما أروع الطفل الذي لا ينثني
مهما تعمقت الجراحْ
ما دامت الأزهارُ تلثَم موتَها في غبطة
تفدي الحمى
لن تستباح عقولنا ..
وبلادنا..
 لن تستباحْ .

خاتمة:
هي إذن كلمات ثلاث عن الشعر الإسلامي الشبابي في موريتانيا، لم نشأ أن نطيل، ولا أن ندخل في التفاصيل، وتعريفات الأدب الإسلامي، والاختيارات بينها، وإن كنا انطلقنا من ذلك التعريف البنيوي الذي ينظر إلى النص بعيدا عن كاتبه (في اختيار النصوص)، فقد عمدنا في اختيار كاتبيها إلى السيرورة في مجمل الخط الإسلامي، والتفاعل مع مجمل القضايا الإسلامية بغض النظر عن الموقف الإيديولوجي للشاعر.
كما لم نشأ أن نعرج فيها على أدب السجون باعتبارنا في مرحلة بعيدة –إن شاء الله تعالى عن ذلك-، وإن كان الشعر الإسلامي عرف من أدب السجون ما لم يعرفه أي شعر آخر تقريبا، خاصة إذا ما قارنا المدة الزمنية التي ضويق فيها الإسلاميون بمُدد مضايقات قوم آخرين.
وكذلك إذا كنا أشرنا إلى الأدب الإسلامي الموريتاني السابق على هذه الفترة، ولم نعط أمثلة منه، فعزاؤنا أن انتشارا نسبيا له، وتعدد القراءات التي تمت فيه تغني عن ذلك.. رغم اعترافنا أنه (كالأدب الشبابي الإسلامي أيضا) ما زال يحتاج الكثير من القراءة والغوص والتمحيص والإخراج من غياهب المكتبات إلى عالم النشر والترويج، خاصة في ظل الهبة الإسلامية الحديثة الممهدة –إن شاء الله تعالى- لفترة يعيش فيها الإسلاميون قادة للناس بعيدا عن المضايقة والسجون.
هذا ما أردنا، وذاك ما قمنا به والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.