أزمة الرق في موريتانيا...خطيئة الماضي ..وأزمة الحاضر (02)/

أحد, 04/16/2017 - 00:35
محمد سالم ولد محمد

حركة الحاج عمر الفوتي

 حركة الحاج عمر بن عثمان الفوتي هي امتداد طبيعي لحركة الإمام ناصر الدين وإفراز لحركة التدين في مجتمع الفلان في منطقة غرب إفريقيا بشكل عام،وقد خاص الفوتي حروب جهاد/فتنة موسعة ضد قبائل وثنية وأخرى إسلامية،ولا يمكن الجزم بإطلاق بجهادية الحروب التي خاضها الحاج الفوتي لذات الأسباب التي منعت آخرين من الاعتراف للإمام ناصر الدين بالجهادية،حيث كان من بين خصومه قبائل وسلاطين مسلمون،وإن لم يكونوا موافقين له في الطريقة التيجانية التي مكنها سيفه وقلمه من الانتشار الموسع في إفريقيا الغربية.
 ويذهب عدد من المؤرخين الموريتانيين إلى اعتبار حركة الحاج عمر الفوتي بوابة كبرى من بوابات الرق في موريتانيا وفي غرب إفريقيا بشكل عام، حيث يرى الدكتور عبد الودود ولد الشيخ أن " حروب الحاج عمر الفوتي (1212- 1282 ) وساموري توري وفرت في السوق الغرب إفريقي كميات هامة من العبيد،ويصف الدكتور يحيى ولد البراء تأثير حركة الحاج عمر الفوتي على تجارة الاسترقاق في المنطقة حيث يقول " أما في حروب الحاج عمر الفوتي الجهادية فقد انتشرت ظاهرة الاسترقاق إذ غمرت جموع الرقيق عموم البلاد وأغرقت الأسواق التجارية" ويعزو الدكتور حماه ولد السالم انتشار الاستبعاد في موريتانيا بشكل قاطع إلى حروب الحاج عمر الفوتي معتبرا أن حروب الفوتي ضد الممالك الوثنية والسودانية أدت إلى انتشار واسع للأرقاء.
 وتظهر أدبيات حركة الفوتي أن الاسترقاق كانت منهجية أساسية في التعامل مع الخصوم ومع القوى السياسية والدينية المقاومة لنفوذه السياسي وطريقته الروحية،فنجد الاسترقاق من أسلحة الحرب النفسية التي يوجهها الشاعر محمد بن محمد الصغير ولد امبوجه العلوي إلى مواطنيه " بيض الجلود"

و أخاف يا بيض الجلود عليكم *** إن لم تفيئوا عاجلا أن تغنموا
فينال بيض بناتكم ذل السبا *** و يعمّهن هوان فيء يقسم
فيكنّ من بعد المقاسم عرضة *** إما لبيع و اتخاذ يهضم
و يقلن يا ويلاتنا ما بالنا *** أسرى سراري أسودين، أنظلم؟
فيقال متن بغيظكن و قرن في ***  هذا الهوان فقومكن الظلّم

وفي نص نثري آخر تنطلق سهام التخويف من كنانة الشيخ الفوتي متجهة إلى الأراضي الموريتانية محذرة بشكل خاص من عمليات استرقاق واسعة سيمارسها الجيش الفوتي ضد المناوئين " للحركة الجهادية" حيث نجد في رسالة محمد بن أحمد الخليل بن أبي بكر بن ببان التشيتي إلى سكان آفلة وتيشيت في الشرق الموريتاني تهديدا واضحا من انتقام الشيخ الفوتي ومن استرقاق الأحرار " فأقول نعم المال الذي إتلافه تلافاني وأدخلني في بيعة سلطاني على أني لم أطلب قضاءه ولم أذكر أبناءه، على أني أخذت في غزوة واحدة ماهو أكثر منه لأني أخذت منها ثلاثين رقيقا أو أزيد".

وبين محبة الشيخ الفوتي والولاء العقدي له والانتماء النسبي أو العرقي لأمة أخرى معرضة " لرماح حزب الرحيم" لا يجد ابن ببان التشيتي إلا الانحياز لشيخه محذرا عشيرته وذويه " ثم اعلموا أن ما جاءكم وكان لإمام المسلمين مبايعا، فإني لا أتغير له عن حالي وأحبه محبة أمثالهم من أمثالي، ومن أبى وتكبر وخالف أمري بالبيعة وتجبر فليعلم علم يقين لا يحتاج أن يؤكد بيمين أن كل ما الجيش حواه بأيديه من حر وغيره لا أتكلم فيه ولا بمال - ولو قل- أفديه، وقد علمتم أنه ما قبيلة فيكم إلا وقد فديت منها أحرارا بعد ما صلى من الأسر نارا من أيدي النصارى وأبدي بنباره، ومن جاء منكم تابعا لأضيفه ولولا أني عاينت الحق وترقبت الصدق لما تركت أولادي ومالي فيكم وأنتم تعلمون أني أكثر منكم مالا وأوسع فيه مجالا والحمد لله فانسلخت منه وتخليت عنه لما عاينت من الشيخ من إزالة الطخاء والطيخ، ولو أمرني بتطليق نسائي لطلقتهن، ولا أفعل ذلك سدى ولا تعرفون لي سفها، وقد نصحتكم فاسمعوا نصحي فإني أحبكم في الله وتعلمون ذلك، ولولا ذلك ما فديت أحراركم بمالي"

ورغم الإشادة الظاهرة في الأبيات السابقة بجهادية حروب الحاج عمر الفوتي إلا أننا نجد فقيها آخر يشير بأصابع التشكيك إلى تلك " الحروب المقدسة" خصوصا حينما سددت " رماح حزب الرحيم " إلى نحور أنصار القادرية من أبناء قبيلة " ماسنا السودانية" وكذا إلى قبائل كنتة وأولاد أمبارك حيث نجد تحذيرا للقاضي جعفر ولد المهديمن المشاركة في تلك الحرب مع أو ضد أي من الطرفين،وافقا على الحياد من تلك الحرب الضروس التي رأى لهيبها يشتعل بين" البنابرة والسوانك" ويحذر أحد أقاربه من الإسهام في تلك الحرب ومن كيد أحمد بن الحاج عمر الفوتي " السفالة تختلف إلى العدو والعيون معكم تسمع وتعي وأهل فوته أعاجم وأعداء ولهم عناية بحفظ أخبار من في بلاد العدو والسؤال عن من يكيد لهم أو يضيرهم لاسيما من معروف الاسم
 ويمكن بعد استعراض الحركات الجهادية الثلاث الوصول إلى جملة من الاستنتاجات أبزرها

القطع بوجود حركة جهادية في منطقة الغرب الإفريقي قادها المرابطون وتشكلت أساسا مع أبي بكر بن عامر،لكن تلك الحروب لا يمكن أن تكون أساسا للاسترقاق في موريتانيا على النحو الذي يمكن الاعتماد عليه في القول إن كل أرقاء المجال الموريتاني هم بالضرورة أسرى الجهاد ضد القبائل الوثنية.

ويبدو هذا الرأي أكثر مصداقية، خصوصا إذا ما عرفنا أن علاقة أبي بكر بن عامر بالمجموعات السودانية في المنطقة لم تكن بالغة السوء على النحو الذي ستنتج خلاله مجتمعا واسعا من الأرقاء، بل ربما بلغت حد المصاهرة حيث يذكر ابن عذاري أن لأبي بكر ابنين هما: إبراهيم ويحيى، وأن إبراهيم "لم تُعْرف أمه وكان أسود الجلدة" فلعله عُرف بالتكروري نسبة لأمه،وجاء في راوية مهمة أوردها ليون الإفريقي أن أسلاف مملكة مالي أسلموا في عهد أبي بكر بن عمر ويسميه ليون خطأ عم ليوسف ملك مراكش، وجاء في صفحة أخرى ذكر تزويج ابي بكر ابنته من عاهل المندانغ "كانجابا" الذي أسلم على يديه.

ويذهب المؤرخ السنغالي محمد جوف في كتابه (تاريخ المدارس القرآنية بغرب إفريقيا ) أبعد من ذلك عندما يرتفع بعلاقة المرابطين بالزنوج إلى ما قبل أبي بكر بن عامر حيث "اختار عبد الله بن ياسين جزيرة سان لويس مركزا لقيادته.واستطاع أن يجمع ألف مقاتل من الولف والبرابرة والفلان"

ويبدو أن مشاركة الزنوج في الفتوحات المرابطية ليست رجما إفريقيا بالغيب ولا تخريصات مؤرخي ماوراء النهر حيث يؤكد المختار ولد حامد أن "عناصر من الزنوج قد شاركوا المرابطين في حروبهم"؛ فكان لبى وارَجابى- زعيم التكرور- مع يحيى بن عمر "في هذا الحصار"، كما ورد اسم أمدُجْـنو في من كان مع أبي بكر بن عمر في درعه ولهذا فقد "انقسم الجيش المرابطي إلى جيشين: صحراوي ـ سوداني رجع به أبوبكر، ومغربي بقي مع يوسف"

والظاهر مما سبق أن جهاد المرابطين لم يتسع لا في الزمان ولا في المكان ليصل الحد الذي يؤسس لكل عمليات الاسترقاق في البلد، بل يذهب المؤرخ المرحوم صيدو كان إلى القول إن " انزياح الزنوج القاطنين في المناطق الشمالية وفي المجال الموريتاني إلى المناطق الجنوبية لم يكن دائما بسبب الغزو البربري والعربي لم يكن بسبب الضغط العسكري على الزنوج وإنما طلبا للكلأ في مرحلة الجفاف التي ضربت منطقة الصحراء

ويشير الأستاذ محمد جميل منصور إلى هذه الأثر غير القوي لحركة الجهاد المرابطية في الاسترقاق حيث يؤكد " أن المرابطين جاهدوا وأنهم في جهادهم واجهوا قبائل وثنية قاومتهم وتمنعت عليهم ووارد أن يكونوا قد استرقوا منها..وعلى افتراض تأكيد ذلك فإنه لم يكن على نطاق واسع وذلك ما يفسره :إما السكوت عنه أو الإشارة إليه بلغة الإمكان أو تخصيص بعض الرقيق به
 فلا يعدو الأمر – استنتاجا - أن يكون فترة تأسيس مكنت أصحابها من تأمين ظهورهم ثم الانتقال إلى الشمال ليؤسسوا دولتهم الكبيرة وينقذوا ملوك الطوائف الأندلسيين من أنياب جيرانهم الإسبان

أن الفراغ الزمني الضخم بعد انتقال حركة المرابطين شمالا ثم انهيار دولتهم بشكل نهائي على يد الموحدين، ثم الهجرات الحسانية، وما رافقها من حروب واسعة لم يصنفها أي مؤرخ في خانة الجهاد الإسلامي وما نتج عنها من أحداث جسام،ألقى بأستار من المجهولية والتعقيد الشديد على الأرض والتاريخ والناس في المجال الموريتاني طيلة قرون عديدة،وأعاد تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي وأعاد سيطرة العنصر الزنجي من جديد وإن بشكل أبسط مما قبل فترة المرابطين حيث "أصبح المجال الترابي الذي يشمل ما بين محيط ولاتَة شرقا إلى ساحل الأطلسي غربا،عمليا تحت رقابة حاميات مملكة مالي القوية"

وتشير المصادر التاريخية في هذا الصدد إلى عالم من الفوضى والإرهاب أشعلته الصراعات التقليدية بين المجموعات العرقية المتصارعة لم ينته مع وصول مجموعات حسان إلى البلاد،بل لم يكن الأمر إلا استمرار لتلك الممارسات البشعة ضد السكان بعضهم البعض،حيث تحولت البلاد إلى مسرح كبير من النهب،والتغريم وكانت المداراة وتقديم فروض الطاعة والمداراة التي وصفها الشيخ محمد المامي بأنها " سور الزوايا" ثم الاستناد إلى أحد أجنحة القبائل المحاربة وسيلة الحماية الوحيدة للطبقة الاستقراطية الثانية في البلاد – فكيف بالمجموعات الأخرى والسكان المغلوبين وما نظن أن يد السطو في تلك الفترة قد توقفت – تورعا وزهدا – عن استرقاق الفئات المغلوبة والمهزومة،وخصوصا ونحن في أرض تحمل اسم "الأرض السائبة "التي تعيش واقعا مريرا يصفه الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا في إحدى روائعه التي يدعو فيها إلى ثورة مسلحة ضد الأوضاع السيئة في البلاد

 

لَا حُرّ يَرْضَى مَا رَضيتُمْ أَنتُمُ...مِن نَهْبِ أَمْوَالٍ وَسَكْبِ دِمَاءِ
وَهُجُومِ دُورٍ وابْتِزَازِ مَلَابِسٍ...وَقِرَانِ شِيبٍ وَاسْتِبَاءِ نِسَاءِ
 وأَلِيمِ ضَرْبٍ بِالْيُدِيِّ وَبِالْعِصــيِّ عَلَى الْمُحَيّا أَوْ عَلَى الْعِلْبَاءِ

ويظهر من النصوص المتكاثرة في هذا المجال أن الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا لم ينطلق في صرخته الشعرية تلك من فراغ ولم يكن الأمر إلا تكرارا لصدى آخر كان أكثر حدة مع الشيخ سيدي المختار بن أبي بكر الكنتي حين استنكر على أهل الشوكة في البلاد أن "منهم من يمنع المواريث ويبيعون الأحرار وخيرهم المستحل للمكس وله أصحاب من الفسقة السلبة المخيفي السبيل يغريهم سرا على ذلك ليضطر الناس إلى الالتجاء إليه بأداء المكوس والإتاوات ليخلصهم مما نزل بهم من الظلم والإغارة وانتهاك الحرمات" بل يذهب الشيخ الكنتي أكثر من ذلك إلى القول بتفضيل بلاد المجوس والنصارى " فإن المسلم يأمن في بلاد النصارى والمجوس ما لا يأمن في بلادهم لسوء طوياتهم وخبث اعتقادهم وعدم مبالاتهم بحقوق المسلمين".
أن حركة الإمام ناصر الدين  وهي ثاني محاولة جهادية في المجال الموريتاني لم تجعل الاسترقاق هدفا من أهدافها المعلنة،بل مثلت عرقلة قوية لحركة النخاسة في منطقة غرب إفريقيا،وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار أدائها جزء من حركة الاسترقاق الإسلامية أو الشرعية إن لم نعتبرها حركة تحرر وانعتاق لشعوب المنطقة،مكنتهم من التخلص من بعض ملوكهم الإقطاعيين ومنحت هويتهم الإسلامية رسوخا وقدرة على مقاومة أطول.

وتبقى المحاولة الجهادية الأخيرة التي قادها الحاج عمر الفوتي دون شك البوابة الأبرز للرق ليس في موريتانيا فحسب بل في منطقة الغرب الإفريقي كلها،بل قد يكون نصيب موريتانيا وخصوصا مجتمع البيظان منها الأقل،إلا أنها دون شك دفعت إلى ترسيخ الاسترقاق كممارسة اجتماعية وخصوصا في المجتمعات الزنجية ذات التقاليد الراسخة في هذا المجال والناظرة بعين التقديس والإعجاب المطلق إلى حركة الحاج الفوتي في أغلب الأحيان.

الظاهر إذا أن عربة الجهاد في هذه البلاد لا تستطيع حمل كل الأرقاء،وليس بالإمكان الجزم بأن السيوف الإسلامية قد أنتجت كل هذا الرقيق وكل هذا الاسترقاق،فلنبحث إذا – وبموضوعية علمية – عن سبب آخر لفهم الظاهرة.