حارتنا المقصوفة ...

أحد, 04/16/2017 - 00:27
حاتم المحتسب

ي الضفة المحتلة ، الهدوء في هذه الاوقات سيّد الليل ، والليل أخو الظلام الشقيق ، والظلام يسبب الخوف "المزمن" والتهاب مفاصل الأرجل ، الكل غالباً بعد صلاة المغرب يلتزم بيته وإن فكّر أن يقوم بجولة "سياحية" لعائلته ، فلن يتعدى حدود "حارته" ، ولن يخرج في سياق الحديث مع جيرانه عن "السياسة"
، يطرح هو كما هم أسئلة لا يجدون لها جواباً ، ثم يطلقون لخيالهم أن يعربد على الواقع ، متمنيين قلبه أو حتى انقلابه ! ، النسوة يتحدثن عن مخزون البيت من القمح والسكر والماء ، ويحاولن أن يضعن وبعفوية بالغة خطة "إنقاذ" :
- إم علي : هذا الحال لا يطاق أبداً ، ماذا يريد اليهود من شعبنا ؟
- إمي : الحال قابل للتصعيد كما يقول الرجال ، الليلة الماضية قصف اليهود وللمرة الأولى شمال الضفة.
- إم علي : نحن نختلف عن شمال الضفة ، الوضع عندنا في خانة "العادي" .
-إمي : زوجي يقول أنه من المتوقع أن يتم قصف مدينتنا في أي لحظة.
- إم علي : لا أعتقد أن يصل القصف منطقتنا ، الوضع شبه هادئ عندنا.
استمر النسوة كما الرجال في الحديث عن جدليات "ما سيكون" . كنت في البيت وحدي أجلس على شرفة المنزل المطلة على ثُلُث الخليل ، ما زالت نسمات الهواء العليل في ليل الصيف ، تبعث في النفس شعور الطمأنينة والحنين ، كانت شوارع البلدة القديمة البادية عبر لوحة نافذتي غاية في الجمال ، شوارعُ رسمها التاريخ على عجل ، قباب متناثرة ، وغرف مبنية من حجر تبدو عليها آثار الأصالة ، في وسطها نوافذ مستطلية عامودية ، خلفها تماماً ستائر ترقص على وقع نغم النسيم ، فتهرب من النافذة مرة ، وتعود إليها بعد اليأس أخرى ، وبداخل الغرف عائلات بكاملها متحجرة أمام التلفاز ، تشاهد الأخبار ! . تذكر الأخ الصغير أن العائلة تتابع مسلسلاً على قناةmbc ، فقام وبداعي الشعور "بالمسؤولية" الفنية بتبديل قناة الأخبار بالتسالي ، وكانت النتيجة كارثية ، عندما صرخ الكل فيه:
- رجّع ع الأخبار يا "حمار" .
وكاد الوالد أن "يفتك" به ، وينفّس عن غضبه بكبش الفداء الصغير هذا لولا إشارة الشاشة لـ"خبر عاجل" ، فرضت على الكل الصمت . عيون متسمرة ، وأفواه مفتوحة بشكل يوحي بالبلاهة ، وأيدِ مكتفة ، أو موضوعة على الخد الأيمن كمن يتابع فيلماً تراجيدياً محضاً ، وبين الفلم والواقع عند هؤلاء أشواط وأشواط!.
شعرت بالعطش ، فأوحى إلي دماغي بعد كل هذه المشاهد أن "أصنع من الليمون الحامض شراباً حلواً" ! ، ولمَ لا ؟ ، وسريعاً "اقتحمت" المطبخ:
- إرفع .. إيدك .. يا تلاجة!!
- ........
- اكشفي ، عما تحمليه 
- .......
- نفذي الأوامر يا غبية ، إنتيبتفهميش ولا إيش ؟!
ثم قمت بالتعدي على حرمة الثلاجة ، والكشف عما بداخلها ، وكانت المفاجأة:
- وين الليمون يا بنت شركة "إل جي"؟!
لا ليمون في الثلاجة! ، ولأكن معكم صريحاً ، كانت الثلاجة شبه فارغة إلا من الماء والبطاطا ، وبعض المعلبات ! ، وماذا سأفعل الآن ؟! ، نزلت إلى "الحاكورة" [قطعة أرض صغيرة] القريبة لبيتنا ، وسرقت "وللأمانة" ثلاث حبات ليمون ، أتذكر اليوم أنه كانت لرائحة الليمون الجميلة لسعة غريبة ، أجبرتني على حك قشرة الحبات مرة بعد أخرى وإلصاقها بباب أنفي ، والتمتع برائحة تختلف عن الغاز المسيل للدموع التي نشمها عند توجهنا للمدارس والأسواق!.
قفلت عائداً ، وبهذه الغنيمة راضياً ، وعلى السلالم حلّ فيّ "كيْف" الإنشاد ، فأنشدت وقتها : "لا تحزنوا يا إخوتي ، إني شهيد المحنة ... آجالنا محدودة ولقاؤنا في الجنة" . لا أعرف لم غنيت هذا النشيد دون غيره ، ربما بسبب تأثير الأحداث وكثرة الشهداء الذين كنا نشاهد صورهم في كل مكان وقتها ، المهم أن صدى الصوت يومها جمّل القبيح ، وكانت نغمة "الصبا" الحزينة تغريني بتكرار البيت الذي لم أحفظ غيره من القصيدة ، وفي خضم السلطنة الإنشادية التي لم تدم طويلاً ، هز بيتنا "إيقاع" أجبرني على التكمش والتقوقع:
- لا اله إلا الله ، محمد رسول الله ، عليها نحيا ، وعليها نموت ، وعليها نلقى الله. 
لساني يردد هذا ، وقلبي يرتجف من الرهبة التي عززها صوت القصف الذي يخرق الآذان ، ويشعرك بأن كل طلقة تسمع صوتها موجهة لك حتماً ، لكنها أخطأت الهدف "سهواً" ، أو تأخرت عنك لتصيب أحداً من شكلك! .
- هذا جزاء سرقتي لليمون ... يا لطيف ، عقاب عاجل!
- لا لا لا ، على الحساب أنت شهيد المحنة ، أنت أتيت بالذيب لكَرْمِك!.
استمر القصف لمدة ثلاثين ثانية متواصلة ، صحيح أنها في حساب الوقت مدة قصيرة ، لكنها كانت ولا شك طويلة ممطوطة على إنسان بعمري ، وحيداً في البيت مثلي . قمت بعدها من محلي ، لأصرخ مذعوراً ، وبشكل هستيري:
- الله أكبر ، الله أكبر...
جاءت عائلتي وعلى عجل من بيت جيراننا الملاصق لنا ، كانوا يمشون وأظهرهم متلاحمة مع الحائط ، يجعلون بينهم وبين الموقع "القاصف" حاجباً وستاراً ، كان إخوتي يبكون ، وأمي مذعورة ، وأبي مصدوم ، وأنا غير واعٍ ، وكذا حال كل جيراننا...
- حارتنا قصفت للمرة الأولى...
كانت هذه جملة لها في حساب "الانتفاضة" ما بعدها ، قمنا وسريعاً بتنفيذ الخطة الموضوعة سلفاً بناءً على مناقشات والدي ووالدتي مع أصدقائهم ، استعادت أمي وعيها ، وقالت:
- حاتم ، بسرعة احمل اختك ، وعلى التسوية [القبو] .
دخلنا كلنا إلى هذا القبو ، الذي كان أأمن الزوايا في بيتنا وأكثرها تحصيناً ، وما إن أتممنا الربع ساعة بعد الجولة الأولى ، حتى بدأ القصف من جديد ، و ضج القبو بالصراخ ، وكلٌ يمسك بيد من بجانبه بشكل لا إرادي ، تشنجت عضلاتنا وأعصابنا ليلتها ، وكان أبي يستطلع : أي البيوت مستهدفة ؟ ، ولكنه لم ينجح في معرفة جواب هذا السؤال ليلتها.
بعد عدة ساعات ، تعودنا على هذا الصوت ، وخفّ كثيراً صوت إخوتي الصغار ، الذين نام بعضهم ، وهو ممسك بيدي . كان منظرهم محزناً ، وأنت تسمع هلوسات الليل منهم:
- لا ، حرام ليش بدك تقتلني.
و آخر:
- يماااااااااا.
وأختي الصغيرة التي تصرخ:
- طخ ، يهود ، يهووود
كان أبي وأمي يتبادلان الآراء لمواجهة هذا التطور ، كان وجه أبي يوحي بالحيرة ، وكانت نظراته تعبر عن يُتمِ الوسيلة ، أما أمي فلم تكن أفضل حالاً منه ، وهي تبكي بين الفينة والأخرى ، متسائلة ماذا حل بالجيران ، ومن أصيب منهم ، ومن يحتاج لإسعاف ؟؟؟ ، قالت:
- أبو حاتم ، خف القصف الآن ، يلا نقوم نشوف شو صار.
- يا بنت الحلال ، شو نقوم ، إذا خف القصف ، هلقيت بقوى.
- ربنا يجيب يلي فيه الخير
- بكرة بتذكريني نجيب الراديو ، وما ننساشالتلفون والشاحن ، لإنو بطارية التلفون خلصت.
لا أعرف كيف تسلل النوم إليّ ، لكني كنت أستيقظ بين الفينة والأخرى ، على وقع صوت القصف ، الذي كان يهز بدنك ، وكنت للوهلة الأولى أعتقد أن الرصاصات المطلقة مزودة بـ"سماعات" كبيرة ، بسبب صوتها المرعب العالي ، استيقظت قبل الفجر بنصف ساعة ، أبي وأمي لم يناما الليلة الماضية ، وقتلا "القصف" بحثاً ، نظر أبي إلي وقال:
- أحلام سعيدة يا حاتم ، القصف متوقف منذ ما يزيد عن الساعة ، نام الآن ، وسنوقظك حال رفع الأذان.
صلينا الفجر ، وقال أبي إن القصف متوقف الآن تماماً ، نزل إلى شارع حارتنا ، نادى بصوته على جيراننا ، خرج الكل من "مخبئه" ، وكان بعضهم قد أمضى الليلة بطولها هو وعائلته في العراء ، مستعيناً ببيته على صد القصف كما علمنا بعد ذاك . تجمع الرجال في حلقة فوضوية ، كان الكل يتكلم بشكل لا منظم أبداً ، وكانوا معذورين في ذلك ، بعد ليلة فُرِمت فيها الأعصاب فرماً ، وكان حديثهم ممزوجاً بالصراخ والتجهم والدهشة والحيرة مما جرى والامتنان بخروجهم سالمين من هذا القصف أخيراً:
- حسبي الله عليكي يا إسرائيل.
- مين قصفوا الليلة ؟
- القصف الليلة تركز على الجهة الجنوبية من حارتنا ، وبالأخص على المنطقة القريبة من وسط البلد.
- يا إخوة ، اتفقدوا حالكو وبيوتكو ، يكون لا سمح الله صاير إشي بحدا بالحارة.
- لعنة الله عليكي يا دولة اليهود.
- كنا بممنوع تجول ، قلنا بسيطة ، كنا بإغلاق أرزاقنا في وسط البلد ، قلنا بتتعوض بكرة ، أما اليوم يقصفوا بيوتنا ، ويروعوا أطفالنا ، هدول تخطوا الحدود الحمر.
كانت النسوة يحتظفن أيضاً بحقهن في "التنفيس" في حلقة مجاورة ، يتبادلن فيها سرد البكائيات ، ولهن الحق في ذلك بعد ليلة مرعبة بحق لكل من عايشها:
- سمعنا الليلة من الراديو إنهم قصفوا ثلاث حارات في الخليل ، ومصدر القصف كان من نقط اليهود على الجبال يلي حولينا.
- إيصر في شهداء ولا لء ؟
- سمعنا في واحد استشهد.
- فيه جرحى كتير ، الاسعاف الليلة ما وقفت.
كانت هناك عجوز تقف بجانبهم ، من آل الجعبري ، وجهها المجعد يدل على أنها عايشت كثيرَ نكبات وأحداث ، التفت إليها النسوة ، وسألوها ، ماذا فعلتم في الـ67 ؟
- قالت لهم : ذهبنا إلى الكهوف والجبال ، كنا لا نعرف ماهية عدونا ، كنا نحسبهم أناساً من الفضاء يختلفون عنا.
سألْنها النسوة بشغف مرة ثانية التماسَ حكمتها ورأيها:
- وماذا نفعل الآن ؟
- قالت : نصمد في أماكننا ، ومن بيته مستهدف بالقصف ، نُؤويه بيننا ، أو في حاراتنا المجاورة.
انفض الكل بعد أن نشرت الشمس ضيائها وسلامها ، جلس أبي أمام التلفاز قليلاً ، بينما كانت أمي تعبأ الماء في قنانِ بلاستيكية ، وتنقل بعض "الغذاء" والمستلزمات الضرورية إلى القبو ، لم تنسَ الراديو، وزودته ببطاريات للاحتياط ، وكذا الإسعافات الأولية ، وبطاطين تحسباً لوجود ضيوف ، جاءت أختي الصغيرة وسألت أمي:
- ماما ، ليش اليهود بدهم يقتلولنا ؟
- لأنهم مجرمون ، قتلوا انبياء الله ، زكريا ويحيى عليهما السلام ، وليست لديهم مشكلة في قتل أحد آخر 
- لماذا لا نهرب ؟
- لماذا نهرب بالأصل ، الأرض أرضنا ، ونحن سنصمد في حاراتنا ، هم يجب أن يهربوا.
- ممكن أن أنقل ألعابي إلى التسوية ، ماما ؟
- لا مشكلة يا حلوتي.
فجأة نادى أبي علينا:
- تعالوا ، اسم حارتنا على التلفزيون.
كان المذيع ، يتحدث عن تعرض مناطق في مدينتنا للقصف ، وذكر من بينها اسم حارتنا ، وحارات مجاورة . انتهى الخبر ، نظرت إلى أبي ، كانت عيناه مغمضتان ، أشارت أمي إلينا بالهدوء ، وطلبت من إخوتي الصغار الخروج للعب قريباً من البيت ، وقامت بتغطية جسد أبي ، وقالت لي:
- على ما يبدو ، فإن أباك يتجهز لمواجهة الليلة المقبلة!.
نقلا عن موقع رابطة أدباء الشام