أزمة الرق في موريتانيا...خطيئة الماضي ..وأزمة الحاضر (1)/

أحد, 04/16/2017 - 00:23
محمد سالم ولد محمدّو

أثار مشكل الرق في موريتانيا نقاشا طويلا منذ نشأة الدولة الوطنية تطرق لجميع الجوانب الفكرية والفقهية والاجتماعية ومثل موضوعا حيويا للنضال الحقوقي والسياسي ودعاية تستخدمها الأطراف الاجتماعية – وفق رؤاها المختلفة – لتبرير رؤيتها للواقع وموقفها من الإشكال.

موقع البشير ينشر - على حلقات -  دراسة علمية رصينة للكاتب المتميز الأستاذ محمد سالمولد محمدّو تحت عنوان: " أزمة الرق في موريتانيا...خطيئة الماضي ..وأزمةالحاضر":

" وأما العبيد فإنهم كانوا لدى السلف الصالح يصلون مرتبة الاجتهاد، أما عندنا فينحطون إلى درك البهيمية " المفتي محمد محفوظ ولد محمد الأمين رحمه الله

أبدأ بهذه العبارة وفاء لحق رجل يستحق اليوم - وقد رحل إلى ربه - بعض الوفاء، فقد خلت سنن وسنوات ولم يبق إلا أن يذكر الناس أخيارهم بخير، ولهذا التصدير دافع آخر، وهو أن الكتابة في موضوع الرق، ليست مجاملات ولا أحاديث أدب وترويح عن النفس بل هي نكأ لكلوم دامية، يأبى ألمها الماضي الانسلاخ من حاضرنا المأزوم، ولله الأمر من قبل وبعد، والناس اليوم وإن لم يرثوا من أسلافهم عدالة اجتماعية كبيرة كتلك التي يريد الإسلام الذي به يدينون وركب الأشراف الذي إليه ينتسبون لن يغلبوا على أن لا يكرروا أخطاء الماضي، فقصارى المطلوب اليوم أن لا نعيش في جلابيب الآباء،.

وأنا أعلم - أن هذا الموضوع غير مرغوب عند الناس، لا يحبون سماعه،وهو متى ما أثير أصاخوا إليه المسامع، فمن مشمر فزعا على الأمة والدولة، من مستقبل غامض يثيره من يفتح ملفا لم يغلق أبدا، ومن خائف من المجتمع يقف عند حدوده في القول لا يتجاوزها قيد أنملة، فالناس إذا - في الرق - بين خوفين من المجتمع أو عليه، ولعل ذلك يضيف رقا جديدا إلى الأفكار والنقاش، فلنقل بصراحة إننا " مسترقون فكريا" لماض مؤلم، أو مسترقون لمستقبل نريد بناءه على نماذج انتقام المغلوب من الغالب.
 وبالجملة، فالحديث عن الرق يقتضي الحديث عن مصادره، ومن أين لأهل هذه البلاد هذا الجم الغفير من العبيد والإماء، ولعل الإجابة على هذا السؤال تقتضي في البدء الجزم القاطع بأن الشريعة الإسلامية - وهي الناظم لحياة الناس دينا واجتماعا - لم تفتح للرق إلا بوابة الجهاد الشريف الواضح البين، فبأي أسياف المجاهدين استرق " سودان الأرض السائبة"

أسرى أم أجلاب

لا تشير المراجع التاريخية في موريتانيا إلى أعمال جهادية قبل حركة المرابطين، بل يبدو أول أثر جهادي معروف في هذه البلاد مرتبطا بشكل أساس بهذه الحركة التي أنشأها البربر ساكنو الصحراء الموريتانية الأول ضمن مسار عودتهم إلى الإسلام السني بعد فترات طويلة من الانحراف عن جادة الإيمان القويم،وترتبط الحركة الجهادية في الشق الجنوبي لدولة المرابطين بالأمير الثاني لدولة المرابطين أبي بكر بن عامر ويؤكد العلامة اباه ولد عبد الله هذه العلاقة في رسالته في أصول الرق في موريتانيا حيث يقول " والذي كنا نسمع أن أبا بكر بن عامر لما فتح هذه البلاد وأسلم بعض سودانها على يده واسترق البعض منهم وامتنعت قبلية ابسيرير من الإسلام وعبرت النهر السنغالي وتمنعت هنالك".

وفي نفس السياق يتحدث الدكتور عبد الودود ولد الشيخ عن مقاومة شرسة للشعوب السوداء ضد حركة جيش أبي بكر بن عامر " لقد جاء أبو بكر بن عامر ومجموعاته قادمين من الشمال يدعون إلى الإسلام كما يفهمونه الشعوب البربرية والسوداء التي قاومتهم بشدة.

ولا يبعد من هذا الرأي الشيخ محمذن الشفيع ولد المحبوبي في مجادلته للمشككين في شرعية الاسترقاق القديم في موريتانيا " والأصل في أملاك المسلمين الصحة أحري إن تقادم عهد الملك سلفا ووراثة وتملكا مع ثبوت أن الأرض فتحت عنوة في زمن أبي بكر بن عمر وثانية فتح الإمام ناصر الدين في القرن الحادي عشر لما جاورها من فوت وجلف وسينكال وشمام، ثم ثالثا فتح الحاج عمر الفوتي ولما جاورها من المشرق وحتي بلغ سيك في فتوحاته، ومعلوم ضرورة أن ما فتح عنوة أن أهله عبيد إلا إن كانوا من القبائل التي لا يسترق سبيها"

ويذهب القاضي محمد ولد محمذن إلى ذات الرأي في رده على استفسار اللجنة العسكرية للخلاص الوطني عن أصول الأرقاء في موريتانيا إلى القول " أنهم يحملون جميعا على أنهم عبيد شرعيون استرقوا إثر دخول الجيوش الإسلامية لهذه البلاد في القرن الخامس الهجري ونحوه كما ذكر ابن خلدون

وبعيدا عن تعميم الشيخ المحبوبي وإطلاقات القاضي محمد ولد محمذن نجد مستوى من التخصيص عند العلامة محمد فال (أباه) ولد عبد الله الذي يتحدث عن مجموعة خاصة من الأرقاء" وأما نوع الرقيق المسمى نانمة فالذي يقول ثقاة المؤرخين أن أصله قبيلة كانت تسكن هذه البلاد وسباها جيش أبي بكر بن عامر اللمتوني الفاتح في القرن الخامس ولعله لا تدور الظنون حول شرعية رقه مع معرفة المدخل ومضي ما يناهز ألف سنة من غير إنكار من أحد) غير أن هذا التخصيص لا يدفع الشيخ اباه ولد عبد الله إلى التشكيك في شرعية استرقاق أصناف العبيد الأخرى بدواع متعددة،أبرزها استمرار الملك وعدم ادعاء الحرية طيلة تلك قرون طويلة :

حركة الإمام ناصر الدين

تعتبر حركة الإمام ناصر الدين بن أوبك إحدى الظواهر السياسية الكبرى في التاريخ الموريتاني بل يمكن اعتبارها مرحلة فاصلة أفرزت تغييرات سياسية واجتماعية في التركيبة السكانية في موريتانيا،ورغم أن هذه الحركة الإصلاحية والجهادية – حسب المتداول والشائع - لدى أغلب الدارسين الموريتانيين لم تسلم من التشكيك في شرعيتها – إسلاميا من معاصريها و تعددت تفسيرات الباحثين المعاصرين لها بين من يراها جهادا إسلاميا محضا،ومن يراها جزء من ملامح الصراع التجاري بين حسان والزوايا ومن ينظر إليها من زاوية الصراع بين " مسيري الغيب ومسيري العنف " فلا يمكن حسب المتداول من النصوص التاريخية اتهامها بالتورط في عمليات الاسترقاق،بل أكثر من ذلك يمكن ملاحظة نفسها التحريري – مع اختلاف الدارسين في تفسير ذلك.
 ويتفق المؤرخ الشمشوي والد ولد خالنامع التاجر لويس شانبونو على التأكيد على معارضة ناصر الدين القوية لبيع الأرقاء وبشكل أخص إلى التجار الأوربيين،حيث يؤكد بن خالنا أن " ناصر الدين إنما استحل دمائهم (أي بني حسان) لاسترقاقهم الأحرار،أما شانبونو فلا يخفي انزعاجه من تأثير هذا المرابط "النحيف حليق الرأس على حركة النخاسة في منطقة ضفة النهر السنغالي" مستعرضا في رسائله إلى ملوك الضفة الزنوج " وأعلمهم أن الله لا يبيح لهم أن ينهبوا أموال رعاياهم ولا أن يقتلوهم أو يتخذوهم عبيدا ويزيد التاجر الفرنسي الأمر وضوحا عندما يتحدث بكل أسى عن أتباع ناصر الدين" إنهم يزدرونا كثيرا بسبب الاختلاف بين ديننا وشعوذتهم،ويوهمون شعوبهم أننا لا نشتري العبيد إلا لنأكلهم،ومنذ أن أصبحوا سادة البلاد فإن عبدا واحدا لم يدخل إلى سفننا وبدون السادة يستحيل أن تكون لنا التجارة الرابحة بكل البضائع"

ويبدو أن سعي الإمام ناصر الدين إلى مقاومة حركة النخاسة الشائعة في ذلك الاتجاه ترك أثرا قويا لدى الحركات الإسلامية في ضفة النهر والتي يمكن اعتبارها بشكل من الأشكال امتدادا لصوته السياسي وحركته الإصلاحية،حيث حرم أمراء دولة الأئمة في فوتا ممارسة النخاسة في مملكتهم، وينقل العسكري الفرنسي (Betoun) المعاصر لحركة الإمامية أن الإمام سليمان بال رفض هدايا الشركة الفرنسية ومنع مرور قوافل العبيد في دولته

ويمكن القول إن حركة ناصر الدين الإسلامية كانت - ضمن أهدافها المتعددة- بوابة للحرية لا بابا من أبواب الاسترقاق حيث أن " تفاقم تجارة الرقيق صاحبه الكثير من ظلم واضطهاد الملوك للسواد الأعظم من السكان فوجدوا في اعتناق الإسلام والانضواء تحت لواء الحركة مخرجا لهم من تلك الوضعية الفظيعة" وفق الدكتور محمد المختار ولد السعد.