السمات الإنسانية للمربي الناجح

أربعاء, 03/29/2017 - 18:36
الأستاذة عزة مختار

القلب الواسع، حب الناس، بشاشة الوجه، العقل المتفتح، الشعور بآلام الغير، تقدير إنسانية الإنسان واحتياجاته، الاعتراف بضعف الإنسان تجاه بعض الأشياء كاحتياجه إلى الحب والرعاية، والشعور بالدفء والأمان، والصحبة الصادقة، والشعور الدائم بالاحتياج إلى الحنان والعطاء الغير مشروط.

وقد يعتبر البعض أن ذلك ضعف مذموم في الطبيعة البشرية في معظم الأحيان ولكنني على العكس أرى أن ذلك الضعف هو قمة جمال وكمال النفس الإنسانية، قراءة العيون الحزينة والقلوب الجريحة والاحتياجات المحرومة والاعتراف بها وتقديرها ومواساتها والبحث معها عما يطيب تلك القلوب في رحاب شريعة الله، التي تتسع للمشاعر الإنسانية وتقدرها وتداوي جراحها.

مستمع جيد لأنات المجروحين وشكاوى المظلومين في وقت قَلَّ فيه مَن يستمع لشكوى الآخر وعزَّت فيه النصيحة لله إلا ممن هم مثله دعاة ومربُّون على طريق الهدى ممن اصطفاهم الله لحمل تلك الأمانة، ومشارك دائم لأفراح كل مَن حوله.

طلق الوجه، يخفي همومه، بل يذيبها في هموم الآخرين، ادخر نفسه للغير فحتمًا سيحمل الله عنه ما يهمه، ينطبق عليه قول النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".

لا يقلل من قيمة أي معروف ولو كان مجرد مصافحة باليد، وإلقاء سلام وابتسامة كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.

يقول الإمام البنا رحمه الله "سنقاتل الناس بالحب"، ومعنى هذه الجملة الرائعة أننا سنستوعب أخطاءهم، وسنتحمل زلاتهم ونوجههم بالحب والعطف والرأفة والحلم، وبذلك نكسب قلوبهم ونوجهها لطريق الله عزَّ وجلَّ، وعلى مدى التاريخ لن تجد مربيًا أو داعية غير رءوف بالناس رحيم بهم متغاض عن زلاتهم؛ حتى يصل بهم إلى برِّ الأمان.

واليوم يمر الشباب خاصة بظروف قاسية من انفلات أخلاقي في كل الأوساط، وهؤلاء الشباب يحتاجون في هذا الوقت لمن يسمعهم ويشعر بهم بعقل واع متدبر، وقلب رقيق لا يُنكر فطرة الله، ولا يطلب منهم المستحيل، لا ينفر مما يسمع وإنما يحاول الوصول بهم كالغرقى إلى برِّ الأمان دون خسائر.

ومَن غير المربي- الذي تصدى لمهنة الأنبياء- يفعل ذلك، يتحمل ويسمع ويعرض الحلول الغير معجزة والغير مستحيلة، لكنها في نفس الوقت تنبع من شرع الله الخبير بالنفوس.

إنه سمت وريث الأنبياء، الوجه الطلق ليس مع المتربين فقط وإنما هو كذلك مع كل الناس، يقول د. ريتشارد كارلسون: "ابتسم في وجه الغرباء وانظر في عيونهم وقل لهم مرحبًا، هل لاحظت أو فكرت في مدى التأثير الذي يمكن أن تتركه نظراتنا على علاقاتنا بالآخرين؟ ولماذا؟ هل نخاف منهم؟ ما الذي يمنعنا من أن نفتح قلوبنا لأناس لا نعرفهم؟

في الحقيقة ليست لديّ إجابة لهذه الأسئلة ولكني أعلم تمامًا أن هناك توازنًا دائمًا بين مواقفنا تجاه الآخرين ودرجة سعادتنا.. بعبارة أخرى ليس من المألوف أن نجد شخصًا يمشي مطأطئ الرأس يشيح بوجهه بعيدًا عن الناس ويكون في نفس الوقت مرحًا وينعم بالسلام الداخلي.

وأنا هنا لا أقول أنني أفضل الانفتاح على الانطواء أو أنك يتوجب عليك استنفاد كل طاقتك محاولاً أن تسعد الآخرين وتضيء لهم حياتهم أو أنك يتوجب عليك أن تتظاهر بالود والصداقة، ولكني أقول إنك إذا اعتبرت الآخرين أناسًا مثلك وعاملتهم ليس فقط باحترام وعطف ولكن بالابتسامة والتواصل معهم فإنك لا بد ستلاحظ أن هناك بعض التغيرات الطيبة تطرأ على شخصيتك.. سوف تبدأ في إدراك أن الناس مثلك تمامًا، معظمهم لديهم عائلات والناس الذين يحبونهم ومعظمهم لديهم أيضًا اهتماماتهم، والأشياء التي يحبونها والأشياء التي لا يحبونها والأشياء التي يخافون منها.. إلخ.. أيضًا فسوف تلاحظ أن الناس يصبحون لطفاء وممتنين لك عندما تكون أنت الذي تحافظ على تواصلك معهم، وعندما تُدرك أن الناس جميعًا متشابهون، فهنا سوف ترى البراءة في عيون الناس جميعًا.. بعبارة أخرى رغم أننا جميعًا نقع في الخطأ إلا أن معظمنا يبذل قصارى جهده لمعرفة كيف حدث هذا الخطأ في ظل الظروف التي تحيط بنا، ودائمًا فإن رؤية البراءة في عيون الناس تكون مصحوبة بشعور عميق بالسلام الداخلي".

في هذه الكلمات التي نملك في تراثنا ما هو أعظم منها يربط ريتشارد كارلسون بين إسعادك للآخرين وسعادتك أنت شخصيًّا، فكلما بذلت في سبيل حصول الآخرين على السعادة فسوف ينعكس ذلك لا محالة عليك.

ونحن كمسلمين ودعاة ومربين أولى الناس بهذا... وإلى حلقات أخرى نعرض فيها مستلزمات إنجاح العملية التربوية، والله سبحان ولي التوفيق.
نقلا عن موقع إخوان أونلاين