من فقه التربية

أربعاء, 03/29/2017 - 18:01

أربع من كن فيه كان مربيا متميزا، ومن نقصت فيه إحداهن كان عليه أن يكملها حتى يستوي مربيا، أن يكون منتصبا في ساحات الاقتداء، وأن يتقن رحمة الأبوة كما يحسن ابتسامة المغضب، وأن يفتش عن الخلل في نفسه قبل أن يلقي تهمة التقصير، وأن يفرق بين منزل تنزله الدعوة إياه وآخر تغريه نفسه بحيازته. وإنما المربون ثلاثة : متقن لفن صناعة التربية فتأتيه هذه السطور هامسة أن عرفت فلزم، ومقتصد حاز أكثر الخصال وأقعدته بشريته عن حيازتها جميعا فله حق التهنئة وواجب التنبيه،

 وآخر لم يذق بعد حلاوة التأثير فله تأتي هذه السطور حاملة صوت النفير: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف/2-3]، وإنما المرء فقيه نفسه.
 فقرأ هذه السطور من حيث ترى نفسك ملزما بقراءتها. وتلك أيها الأخ الهمام عناوين نحتاج معا لنقاشها من خلال العناوين التالية :

1/ امتثال يوجب الاقتداء
 ليس في عرف الدعوة أمرا مرفوضا مثل بعد الشقة بين القول والفعل، وأجيال الدعوة منذ فجر الإسلام إلى عهد الصحوة الإسلامية تتوارث سننا دعويا نادى به القرآن وأثبتته السنة عنوانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف/2-3] ، وهو السنن الذي عبر عنه الإمام علي رضي الله عنه حين أخبر أنهم كانوا إذا حمي الوطيس واشتدت الحرب اتقوا العدو برسول الله صلى الله عليه وسلم، "وكان أشجعنا أقربنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وظلت هذه السنة نهجا لا محيد لقافلة المربين عن سلوكه، فقال ذو النورين رضي الله عنه : "أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال"، وركزها البصري عرفا ثابتا فيما بعد فكره أن يأمر الناس بالعتق قبل أن تواتيه الفرصة فلما أعتق أمر الناس بما فعل. أو بعد ذلك ينتظر مرب ممن يربيه طاعة ولما يجد منه تمثلا لما يقول، كلا وربي...

إن منهج التربية الدعوية يثبت أن التربية فعلا قبل أن تكون قولا، وللراشد نذارة تحتاج أن نعيها حين حذرنا من "عليم اللسان"، بل هي حكمة قديمة تثبت أن "فعل حكيم في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل".

فتقدم أمامه الصفوف في ساحات البذل والعمل يتبعك، وأره قفاك في الصف الأول من المسجد يقتدي بك، وأيقظه من وسنته في حينما تستثقل بالناس المضاجع يدعو لك، ولا تنسى أن تؤثره ببعض مالك فإنك إن فعلت كنت أبلغ الواعظين، وعوده أن بنشد فيك :
 هو الإمام منار للهدى علم ** وقدوة في سقوف المجد تنتصب

2/ نفسك أولا
 ما من امرئ داعية يسير في قطار الدعوة مقودا أو قائدا إلا تريه الحياة من أحوال الناس وتمنعهم واختلاف طباعهم ما يدعوه أحيانا إلى القلق، أحايين كثيرة لمد أصبع الاتهام، غير أن مدونة التربية حافلة بنصوص قرآنية ونبوية ودعوية تأطره على لزوم نهج "حسن الظن"، والتماس حسن المخرج ومد يد المصافحة، وفي شده أن يفتش عن الخلل في نفسه، وأن :
 لا تنه عن خلــق وتأتي مثلــــه** عار عليك إذا فعلت عظــــــــيم

وإنما العاصم من ذلك تمسك المربي بالتوجيه النبوي الكريم : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه)، وتذكره وقت الخطأ أنه : { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم }، واعتصامه بالرحمة، وأن لا ينظر في ذنوب من يربيهم على أنه ربهم، وإنما هو مربيهم. والتربية مكابدة أول منازلها الصبر، وثانيهما العفو عن غير الكبيرة...

أفلا يجب علينا بعد ذلك أن نتوغل بمن نربيهم برفق في شعاب الدعوة حتى إذا ألفوا تركناهم يتذكرون التقصير، ولهجنا معهم بالدعاء : { رينا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين }.

3/ هي الدعوة لا أنت
 في حديث عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي الله صلى الله عليه وسلم توصيف بليغ لعلاقة المربي بمن يربيهم فإنها قالت : (ما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله). وتلك إشارة ما كان للدعاة أن يغفلوها، وهي لمن ألقى السمع سبب في الاتعاظ، فلا يحل لمرب بعدها أن يخلط بين إغراءات نفسه ومتطلبات الدعوة، ويعصمه من ذلك أن يتذكر أن مرباه ما جاء ليعظم شخصا فإنه من تعظيم الأشخاص فر، وإنما هو حب الدعوة استنفره وأخرجه من بيته مراغما إلى الله ورسوله، فما كان لنا بعد ذلك أن نورث عاداتنا السيئة له أو نربطه بأشخاصنا او نختصر له الإسلام في أنفسنا، وفي حديث بدر لنا عظة فإن الصحابي الجليل سال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهو منزل أنزلك الله إياه ام هو الرأي والحرب والمكيدة، وما بعد حديث النبي صلى الله عليه وسلم من موعظة.

4/ رحمة تستبطن النصح
 حبل التناصح بين الدعاة رابطة لا تنقطع وميثاق ألزمتهم الشريعة سلوكه والأخذ به "الدين النصيحة"، ولكنه برحمة الأخوة ينضبط، وإذا صح ذلك فإن الصورة التي ينبغي أن تطبع علاقة المربي بمن يربيه، ان يجمع بين رحمة الأبوة - فلا تعميه الأخطاء عن المحاسن - وابتسامة المغضب - فلا تلهيه الرحمة عن النصح -، وحديث كعب بن مالك في قصة توبته يحمل دلالة عميقة لا يحسن فهمها إلا الدعاة فقد قال فيه { ...فلما جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتسم ابتسامة المغضب }. إنها النظرة التي تشعرك أن خطأً قد وقع، وهي في عرف العقلاء – والدعاة منهم – أبلغ من كثير تعنيف، يلزمه المستبدون مع مرؤوسيهم، وإنما هو التقدير والاجتهاد يلزم المربي أن يقول أحيانا: "ثكلتك أمك" أو "إني لأبرأ إليك مما فعل خالد"، ويُلزمه في أحايين كثيرة أن يقول : "يا معاذ إني أحبك في الله ".

وبعد.. فإن التربية أمر يحسن فيه الاستعانة بالتسديد والمقاربة وكثير من الاستشعار والتواضع والانتباه والأوبة والاستغفار ثم الله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.