الحاقة.. قانون الله لا يحابي أحدا..

أربعاء, 03/29/2017 - 16:52
سيدي عيسى

تعرض سورة الحاقة القانون الإلهي في التعامل مع المكذبين والمخالفين، والخارجين عن الطاعة عموما في صور مختلفة تؤكد على معنى أساسي واحد هو أن قانون الله لا يحابي أحدا، وأن الأسباب تتلوها نتائجها، فمن زرع حصد، ومن طلب وجد.

والسورة وإن كان موضوعها الأساس يركز على هذه الفكرة، إلا أنها مليئة بالأفكار والمشاهد والأحداث من الماضي والحاضر والمستقبل تعرض بأسلوب مقتضب في الغالب ومسهب في النادر، لا يراعي التسلسل الزمني، ولا يهتم بالترتيب التاريخي.
الحدث الجلل:
تبدأ السورة بأكبر حدث تنتظره البشرية، فتسميه "الحاقة"، ثم تتبع التسمية بأساليب التهويل المختلفة: "ما الحاقة"، "وما أدراك ما الحاقة"، وتكتفي السورة من عرض هذا الحدث العظيم الضخم –باسمه هذا- بهذا القدر، لتتحول من هذه التسمية إلى تسمية أخرى ترتبط بحدث زماني ماض، خلافا لهذه التسمية المطلقة من أي قيد زماني. "كذبت ثمود وعاد بالقارعة".
رجة عامة:
ترج الحاقة الكون رجا فلا يتميز الآتي من الماضي وإنما تتميز نتائج الأعمال ومآلات الأمور، فهنا يأتي ذكر ثمود المتأخرين على عاد السابقين عليهم في التاريخ، "كذبت ثمود وعاد.."، ويمر على ثمود (أصحاب الفكرة المادية التي تحتاج إلى معجزة مادية تقنع عقولهم المادية بصدق النبي صالح) مرورا سريعا دون أن يذكر عنهم سوى النتيجة المبنية على المقدمة "التكذيب بالقارعة"، "فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية"، ولأن عادا أهل قوة وإعجاب بقوتهم "قالوا من أشد منا قوة"، استفاض السياق ذكر ما عذبوا به، وهو في الواقع أضعف شيء "الريح"، "وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية".. "تدمر كل شيء بأمر ربها"، "فهل ترى لهم من باقية"؟ وقد سئلوا ذات يوم: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون"، وبعد كل هذا لم يبق لهم أثر!! بينما بقيت آثارهم شاهدة على "الطاغية".
ويواصل السياق رجته هذه وقطعه لخيط الزمن فيذكر فرعون المتأخر أولا ونوحا المتقدم أخيرا، "وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة" ثم يذكر العمل والجزاء "فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية"، وأما قوم نوح المتقدمين فيشير السياق إليهم إشارة تأتي بالنتيجة وتحذف المقدمة والسياق، فتستخرج من النقمة نعمة، ومن الغضب رحمة "إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية"...
تذكرة:
إن الخلف عليه أن يفي لمن له منة على سلف، فكيف إذا كان قد نجاه من أكبر كرب مر بساكنة هذا الكوكب حين "طغى الماء"، ألا تبقى هذه الذكرى عالقة بالأذهان رابطة الخلف بمن أنعم على السلف "ذرية من حملنا مع نوح"؟!، أليست تستحق الحفظ والتدوين، والوعي والإدراك "وتعيها أذن واعية"؟!. بلى ولكن الكنود يعمي والصدود يصم ويصمي.
"ما الحاقة"؟:
ما زال السؤال يتكرر في الذهن عن الحاقة والآن حان وقت الجواب لكن دون عود إلى ذلك اللفظ الذي يكفي من شرحه تعديد مرادفات المهولة في ألفاظها المخوفة في معانيها "فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبا فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة".. إنها أحداث مرعبة مخيفة.. نفخة واحدة تحول أكبر الأشياء في عقول وعيون الناظرين إلى كتلة واحدة تمزج بعضها ببعض فتدق وتكسر وتسوى كالعدم!! بلى.. إنها الواقعة! "فيومئذ وقعت الواقعة" وما الواقعة والقارعة إلا أسماء تساوي الحاقة.
ليس هذا فحسب بل ما زال مشهد التغيير متواصلا، "وانشقت السماء فهي يومئذ واهية"، ليس هذا الضعف والوهن أمام نفخة واحدة خاصا بالأرض بل لا تقف السماء في وجهه، ولا تصمد أمام زعزعه، كما لم تصمد عاد أمام ريح صرصر عاتية سخرت عليهم أياما فقط..
وتتسارع وتيرة التغيير فتصف الملائكة في أرجاء السماء المنشقة المنشقة الواهية المطوية كطي السجل للكتب، "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية"، لماذا كل هذا إنها مقدمات بسيطة بالمقارنة مع ما سيأتي إنها أدلة تنبه الغافلين الشاردين الخائضين أن زمن المهلة انتهى وزمان البذر ولى وحان زمان الحصاد.
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا:
"يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"، ومن يخاف العرض غير المجرمين؟! هنا المرء يحاسب نفسه ويحكم عليها وحده، ولكن الفرق في سلاسة الحساب وصعوبته، وفي نوع الزرع وبالتالي نوع الحصاد.
فأما من أوتي كتابه بيمينه.. فمساره سهل ميسر كما كان استقباله للدعوة أصلا بيسر وسهولة، يأخذ الكتاب بيسره، ويقرأه بفخر، ويجزى برحمة وفضل، "فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية" لماذا كل هذا الجزاء والنعيم المعبر عنه بالكينونة والاستقرار وكأن صاحبه لشدة السهولة واليسر لم يمر بحساب ولا بصراط وخوف..؟؟ إنها نتائج زرعه وثمار عمله: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية".
وأما من أوتي كتابه بشماله.. فمساره مختلف من عسر إلى يسر وشدة إلى شدة، فهو في أسف وحسرة وندم وخزي، وأمان مقطوعة، وعذاب موصول "فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية"، إنها لحظة انقطاع السلطان الشديد والمال المكنوز "ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية"... ورغم كل هذا فالجزاء من جنس العمل: "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين"، فلا حق له في سلطان الآخرة، ولا مال الآخرة وقد أذهب طيباته في حياته الدنيا، فليس له اليوم ههنا حميم، ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطؤون"، وهو منهم وبالتالي فللمخطء جزاء الخاطئين.
يقينية القرآن:
هنا قسم عجيب "بما تبصرون وما لا تبصرون" يناسب السياق العجيب للسورة وأحاديثها عن ما هو معروف مألوف، وما هو غريب مخوف.. يشهد للمقسم عليه قبل القسم ثراء المعلومات، واستواء الماضي بالحاضر والقديم بالجديد في حق منزل الكتاب؛ فهو إذن "قول رسول كريم"، لا يزيد في الرسالة، ولا ينتقص المقالة، "وما هو بقول شاعر"، والمخاطبون يعرفون الشعر وفنونه وأغراضه وأين ينتهي بأهله الخيال حين "في كل واد يهيمون" و"يقولون ما لا يفعلون"، "ولا بقول كاهن"، وما كان للكهنة أن يتجاوزوا قامات جيلين في استكناه الغيب الآتي ولا أن يتطاولوا على الغيب الماضي فكيف بغيب ما بعد الدنيا.. ليس كل هذا وإنما هو "تنزيل من رب العالمين".
..وعلى الرسول:
ويسري قانون الله الغالب على الرسول كما سرى على المكذبين والمناوئين، والأكوان من سماوات وأرض جبال "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين"، فالقانون لا يحابي حتى الرسل، هو قانون الطاعة والسمع فالإكرام والهناء والسعادة، أو قانون العصيان والتكذيب فالمهانة والندامة والشقاء، والدليل: "فما منكم من أحد عنه حاجزين"، ومن ذا الذي يحول بين الله وخلقه؟.
قانون عام:
"وإنه لتذكرة للمتقين"، فلا ينتفع منه غيرهم.
"وإنا لنعلم أن منكم مكذبين"، فلا تقنعهم الأدلة والبراهين مهما كان وضوحها "إنك لا تسمع الموتى".
"وإنه لحسرة على الكافرين"، "فذرهم في غمرتهم حتى حين".
"وإنه لحق اليقين"، "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"؛ "فتوكل على الله إنك على الحق المبين"، وهم على الباطل، والقانون الإلهي يقضي نصرك وخذلانهم، "فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" "وسبح باسم ربك العظيم".