البنا.. وفقه الدعاء"الحلقة 11"

أربعاء, 03/29/2017 - 07:58
الأستاذ:محمد محمود بن الجودة

إن المنهج الصحيح في قيام الحركات واستمرار الدعوات هو المنهج الذي اتخذه ابو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو الجمع بين الفعل والدعاء (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) هذا هو الفعل (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) وهذا هوالدعاء ، أما (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فهو الإيمان بالله والثقة في حكمه وحكمته.

 وهكذا انتظمت الأسباب الظاهرة بالأسباب الباطنية بخيط ذهبي رقيق فآتت أكلها ولم تظلم منه شيئا حين استجيب لأبي الأنبياء بإمام الأنبياء والمرسلين لتستمر دعوته ولا تنقطع (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ).
من هنا انطلق البنا في تأسيس حركته منذو البداية جامعا بين الفعل المتمثل في ذلك الوقت في الدعوة
في المساجد والمقاهي والمدارس وهو مع ذلك يعلم ان هذا الفعل الظاهر لن يثمر ولن تكتب له الإستمرارية إلا إذا صاحبه سبب باطني يشترك الجميع فيه وكان ذلك السبب الباطني هو ماوفق إليه البنا وألهمه ولقنه لطلابه واتباعه ودونه بعد ذلك في خاتمة اذكاره وهو ما يعرف بورد الرابطة الذي يقرؤ في ختام كل جلسة من جلسات الإخوان في بقاع العالم
 ومن خلاله يظهر فقه هذا الرجل في الدعاء وهو موضوع هذه الورقة التي ستقف مع معاني ورد الرابطة وكيف انها جمعت كل المعاني التي يحتاج إليها الإنسان المسلم الذي يشارك في عمل جماعي يريد له النجاح .
 فهم البنا أن المشكلة كل المشكلة إنما تتعلق بملك الجوارح الذي هو القلب فلذلك ركز في دعائه علي صفات القلب التي ينبغي للمجموعة أن تتصف بها ثم اتبع ذلك بما يوثق رابطة هذه القلوب ويديم الحب بين أصحابها ويوفقها للطريق المستقيم لأنه يعلم ان التآلف بين القلوب منحة إلهية امتن لله بها علي محمد صلي لله عليه وسلم (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) 
 وهو يعلم أن هذا التآلف والود لا يمكن أن يقع بين القلوب الخاوية من نور الإيمان والبعيدة عن التوكل علي لله تعالي
 فيواصل في دعائه سائلا ربه أن يملأ هذه القلوب بنوره الذي لا يخبو وان يرزقها جميل التوكل عليه لأن القلب الممتلأ بنور لله هو قلب مهيؤ لمعرفة لله عزو جل وصاحبه مستعد للموت في سبيله.
بسم لله الرحمن الرحيم
 ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )
اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأ صوات دعاتك فاغفرلي
اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد إجتمعت على محبتك . ... وتوحدت على دعوتك ...وتعاهدت على نصرت شريعتك.. فوثق اللهم رابطتها ....وأدم ودها...وأهدها سبلها ..واملئها بنورك الذي لا يخبو . واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك...وأحيها بمعرفتك..وأمتها على الشهادة في سبيلك أنك نعم المولي ونعم المصير.
 بالنظر في هذا الدعاء والتأمل فيه نري بأن البنا لم يكتبه بصفته مفكرا أو مجددا ولا بصفته كاتبا يملك قلما سيالا حبب إليه التشدق والتنمق بسبب الترف الفكري
 وإنما هو دعاء انطلق من قلب البنا الذي امتلأء نورا وهداية وتسليما بعقيدة لا تزلزلها الجبال ولا تتغير بتغيرالأحوال ولذلك بدء بمايريح الإنسان في هذه الحياة وهوأن كل الأمور من العزة والذلة والملك والرياسة هي بيد لله يعطيها لمن يشاء ويمنعها من يشاء
(قل للهم مالك الملك ...)
ثم ابتعه بدعاء يناسب المقام
اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك واصوات دعاتك فاغفر لي
ثم دخل بعد ذلك وقسم الدعاء عدة أقسام وبدأه بصفات القلوب فقال :  اللهم إنك تعلم ان هذه القلوب قد 
ـ اجتمعت علي محبتك :
 البنايعلم بأن الإجتماعات في هذه الحياة كثيرة واكثرها منقطع غير مستمر وأن سبب استمرارية الإجتماع هو الإرتباط بالله عزوجل ومحبته فهي التي لا تنقطع اجتماعات اصحابها ولا تتعثر ولا تعرف توقفا في الحياة
 ومحبة لله هي الغاية وقد تكلم فيها العارفون كثيرا ومن اجمع ما قيل فيها ماذكره ابوبكر الكتاني عن الجنيد وهو أن أهل مكة تكلموا في المحبة وكان الجنيد حاضرا وهو أصغرهم سنا فقالوا له هات ماعندك فأطرق رأسه ودمعت عيناه وقال : عبد ذاهب بنفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن لله وإن تحرك فبأمر لله وإن سكن فمع لله ـ فبكي الشيوخ وقالوا ما علي هذا مزيد
 وبهذا يلتقي البنا مع الجنيد حيث ربي اتباعه علي شمولية تقتضي منهم ان تكون حركاتهم وسكناتهم وحياتهم ومماتهم لله إن تكلم احدهم فلله وإن تحرك فلله فلذلك جعلوا شعارهم في الحياة قول لله تعالي :
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ـ التقت علي طاعتك :
 أهل الطاعة عند البنا هم أهل العبادة بمفهومها الشامل الذين شغلهم الشاغل البحث عن ما يعينهم علي الطاعة والعبادة كما هو حال معاذ حين أو صاه النبي صلي لله عليه وسلم إني أحبك فقل دبر كل صلاة للهم اعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
 والبنا ينظر إلي اتباعه الذين يجتمع معهم انهم لا يفتقدون في أماكن الطاعات فإذا رأيت العلماء رأيت مجالسهم قد امتلأت بالإخوان وإذا رأيت العباد رأيت الإخوان في مقد متهم وإذا رأيت المجاهدين رأيت الإخوان هم القادة وإن رأيت المتصدقين والمحسنين رأيت الإخوان بينهم

ومن فقه البنا أنه قدم الإجتماع علي محبة لله وثني بالإلتقاء علي طاعة لله لأن الإلتقاء علي الطاعة دليل علي المحبة لأنه هو ديدن محمد صلي لله عليه وسلم والأنبياء من قبله وكان اصحابه يفعلون ذلك حتي وصل بهم الأمر ان بعضهم تمني البقاء في هذه الدنيا من اجل الإلتقاء علي طاعة لله كما صح ذلك عن عمر ومعاذ وصح عن جمع منهم أنهم قالوا : تعالوا بنا نؤمن ساعة .
ـ توحدت علي دعوتك  : 
 والمقصود بالدعوة في دعاء البنا هي الإسلام ولذلك أضاف الدعوة لله تعالي لأنه يعلم انه يجتمع مع من قد اقتنعوا بخدمة هذا الدين وشمروا جادين في خدمته لسان حالهم نحن قوم ابتعثنا لله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلي رب العباد ومن جورالأديان إلي عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة
والإتحاد علي الدعوة في فقه البنا وطريقه هو ما شتمل علي ثلاثة أمور :
 ـ الفهم العميق 
ـ التكوين الدقيق
ـ العملالمتواصل
بالفهم والتكوين تحصل البصيرة (  قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

وبالعمل المتواصل تصلح الأمة لأنه هو سر صلاحها قديما وقد قال ما لك آخر الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أو لها ولأنه أمان للأشخاص والمجتماعات من الإنحراف والهلاك الإلهي
وعلاقة هذه الصفة بالصفتين اللتين قبلها أنها في الغالب ناتجة عن هما
فالذين امتلأت قلوبهم بمحبة وعمرت أوقاتهم  باللقاء علي طاعته جديرون بحمل رسالة لله لأنها صفات أنا س صنعوا صناعة ربانية خالصة

(ولتصنع علي عيني ) (أدبني ربي فأحسن تأديبي )
ـ تعاهدت علي نصرة شريعتك
 هذه القلوب التي صنعت بصناعة إلهية خاصة هي مهيئة من قبل لله تعالي لتتحمل مسئولية الأنبياء وهي نصرة دين لله تعالي
 ولهذا كان البنا من بداية أمره يفهم أن الإخوان هم الغرباء الذين يصلحون حين فساد النا س أو الذين يصلحون ما أفسده الناس
وإذا كان اسم الإخوان اصلا لم يخطط له ولم يفكر فيه أحد كما ذكر ذلك البنا في مذكرا ته  وإنما اتي علي لسان أحد الجالسين مع البنا أيام التأسيس فهو أقرب الأسماء إلي ـ وددت أني رأيت إخواني .....الحديث ـ

ولذلك حمل البنا اصحابه مهمة هداية الناس في الوقت الذي اظلمت فيه الأرض ولم يبقي من المصلحين إلا القليل فقال بعد مرور عشرين سنة علي تأسيس الإخوان :اذكروا أيها الإخوان دائما أنكم الكتيبة المومنة التي انتهي إليها في هذا العصر المادي المظلم بالشهوات والأهواء واجب الدفاع عن كلمات لله تعالي ورسا لا ته والمحافظة علي احكام شريعته ودعوة الإنسانية القائمة إلي الطريق المستقيم .
يتواصل مع تربية القلوب
فوثق للهم رابطتها ....