سطوة الإنجاز

أربعاء, 03/29/2017 - 01:55
د.محمد عبد الله ولد لحبيب

"اليوم قرأت على ركبتي جدي كتابا من 223 صفحة في ساعة ونصف" هكذا كتب الناقد الفرنسي، بلغاري الأصل: تودروف،مزهوا في يومياته، كان عمره ثماني سنوات[1].

ستصبح هذه الساعة والنصف واحدة من محطات عشق القراءة الذي صاحب الرجل طيلة حياته.
هذا الشعور انتابني عندما ختمت في ساعات قليلة الكتاب الذي ضمنه الرجل هذه المقولة.
لم تكن تلك قراءتي الأولى للكتاب ذي الستين صفحة، ومع ذلك شعرت بلذة غامرة.
 كثيرون لامستهم هذه النشوة عند إنجاز بدا صغيرا في وقت لاحق. لكنه قاد إلى ما هو أهم منه، منح أعلى قيمة وأغلى.
الإنجاز يقود إلى الإنجاز
اشتكى أحد مساعدي الإمام الشهيد حسن البنا من كثرة المهام الموكلة إليه فقال له الإمام "إنما ينجز المهمات الرجل المشغول". قول بسيط صاغ به البنا واحدا من أهم قوانين الإنجاز في الحياة البشرية.
 هذه الظاهرة مطردة في حياة البشر، حتى عد أهل التربية ومعالجو النفوس الإنجازَ أهم عوامل بناء الثقة في النفس.
 أنَّى يممت تجد لها مثالا مما يتعاطاه الناس من أفعال، فقد كان السلف يقولون "إذا رأيت الرجل يأتي الطاعة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رايته يقارف المعصية فاعلم أن لها عنده أخوات". وهي ظاهرة سهلة التعليل فللمعاصي بيئات وأقران وللطاعات مثل ذلك، والغالب في المعصية أن تنقُل إلى بيئتها الفاعلَ، مثلما الغالب على المحسن أن ينتقل إلى بيئة الطاعة وأقرانها، والطاعة درجات يصعدها السالك تسلمه إحداها إلى الأخرى، كما تؤدي دركات المعصية كل إلى أختها.أو هي:
سلاسل عيوب
 بتعبير الراشد فمن "أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس:سلم من الغيبة". يعلق الراشد "ولا شك أن الفضيل[ابن عياض] قطع ذكر التوالي استفزازا لنباهتك، فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب"[2].
ومن التوصيف النبوي لعلاقة القلوب بالفتن استقى الإمامان إرشادهما؛  فحال الفتنة مع القلوب إنكارا وقبولا قاد إلى نتيجتين، أي إلى قلبين: "أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض" فقد حصنته سطوة الإنجاز، إنجاز الرفض وإباء الانسياق مع المعصية لحظة تعرُّضِها الأولى.
والثاني "أسود مُرْبادًّا كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هوًى"[33]، سقط في وهدة عدم الإنجاز، وهوى في دركات القعود عن مناكفة الفتنة أولَ أمرها، فانجر مُرَدًّى في سلاسل عيوبها، فإذا"غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب، ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق،أبغضه الخلق"[4].
 يولي السلف أهمية في التحليل للجانب السلبي، للكف، احتماء بصريح قول المصطفى عليه الصلاة والسلام " ما نهيتكم عنه فانتهوا". وربما كان أمر التسلسل في المنهيات أوضح، وهي في التحذير أبين؛ إلا أن قلب الآية يعطي ذات المزية؛ فالكف عما حرم الله موذن ببداية الانشغال بفعل طاعة يزجي الوقت، وفعل الطاعة هذا بداية خيط المراتب العلا. تقود قراءة القرآن إلى التدبر في معانيه، إلى الانتهاء بنواهيه، والائتمار بأوامره، إلى أداء الفرائض رأس المال، إلى الانشغال بالنوافل، سبيل حب الله.. وما بعد ذلك مراقي الكمال يرقاها الصُّلَّحُ الخُلَّصُ.
 سميتها "سطوة الإنجاز" وهي كذلك، لأنها تفرض الإنجاز الموالي فرضا، وتعلم مرتادها الدأب وهو مُلتَذٌّ فرح، فإذا استقر صعود الربى عادة عنده عاف الحُفَر والوِهاد، وعاش حياته في الذرى متنقلا من ربوة إنجاز إلى قمة عطاء، ثم لا يلبث يصير علما على الإنجاز والإنجاز علم عليه، تلازما.

[1]تودروف، الأدب في خطر، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال، 2007، ص. 5.
[2]الراشد، العوائق، ص. 19.
[3]بداية الحديث: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عَوْدا عَوْدا فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء..." وهو في البخاري.
[4]الراشد، م، س، ص. 20.