روح تتعلق بها الأرواح

اثنين, 03/27/2017 - 13:57
إخليهن بن الرجل

علامة مقت الله للعبد مخالفة قوله لفعله، ومن هنا كان عتب الله عز وجل على المؤمنين : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }[الصف/2-3]

والتعبير في الآية الكريمة فيه نوع من التعنيف، والتبكيت. وكلمة "المقت" في مدلولها اللغوي تعني"البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت"[1]كما قال ابن عطية.

و"المقت" من الله لفعل العبد وسلوكياته أمر مهول، وشيء مخيف، فكيف إذا كان هذا "المقت"موصوفا بالكبير؟!!

إن الذين يملؤون آذان الناس بالكلام الجميل، وطيب القول، ويكثرون الضجيج وانتقاد الآخرين ثم لا تكون فعالهم تصديقا لما نطقت به ألسنتهم لا يصح أن يوصفوا بشيء إلا بقلة العقل والبلادة، ولما كان بنو إسرائيل كذلك وصفهم الله بقوله : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }[البقرة/44].

( فإن عمل الإنسان بضد ما يعلم، وضد ما يأمر به غيره، لا يصدر عن إنسان سوي في عقله، ناضج في فكره، إنما هو ضرب من الجنون )[2]، والخبل، ولذلك جاءت النصوص تذم هذا الصنف من الناس، وتتوعده بغضب الله، وبعذابه الأليم: روى مسلم، عن أسامة بن زيد، قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول : بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه )[3].

وما أروع ما قال أبو الأسود الدوئلي رضي الله عنه:
يا أيهـــا الرجـــــــــــل المعلــم غيـــره**هلا لنفســـك كان ذا التعليــــم؟
تصف الدواء لذي السـقام و ذي الضنى**كـي ما يصح به وأنت سـقيم
وأراك تلقــــــــــح عقولـنا بالرشاد أبـــدا**وأنـــت من الرشاد عــــــقيم
ابدأ بنفســــــــــــــك فانههــــا عن غيهـا**فإذا انتهت فأنت حكــــــــــيم
 لا تنه عن خلــق وتأتـــــــــــي مثلــــه**عار عليك إذا فعلت عظــــــــيم

فقبيح بالمرء أن يتصدر لتعليم الناس، وتقويم اعوجاجهم، ويكثر انتقاده لفعالهم، ويكون ذو لسان عريض ومقال طويل ثم لا يرتفع في تصرفاته، وسلوكياته عن مستوى الدهماء.

( ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام. فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهورا وانكشافا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب )[4]كما هو حال المحدث الزاهد عبد العزيز بن أبي روؤاد ، قالوا : "كان كأنه يطلع من القيامة".

والمؤمن الصادق يفصح بحاله، وفعاله قبل أن ينطق بأقواله، ويروى أن زاهدا قُدِّمَ إلى المحراب ليصلي بالناس ، فقال : استووا رحمكم الله! ثم تراجع إلى الصف وأبى، وقال : "إني استحيت من ربي أن آمركم بالاستواء وأكون مقيما على عوج".

( وتأخره مرجوح، وفي ذلك مسحة تكلف يميزها الفقيه، لكن المربي يجد في القصة عظة.
 فالداعية إمام لمن حوله، يقول لهم: استووا على أخلاق وأدب وحكم شرعي وإصلاح، فأنى ينبغي له إفتاء نفسه بعوج يحرف استقامتهم؟ بل يشدد على نفسه ويأبى أن يكون أول مخالف!! )[5].

فـ( الناس تطلب ممن يرشح نفسه لمهمات الإصلاح الصعبة صرامة، وإصرارا على حمل الأمانة، ودلائل صدق، وتلبسا بما يدعو إليه، وتقديم البرهان على أنه السابق وأول الفاعلين، وعندئذ تطيب نفوس الناس لبذل وتضحية ومسارعة إلى ما يشير إليه القدوة )[6].

وقد ورد في الكتاب العزيز قول الله تعالى على لسان سيدنا شعيب -عليه السلام- في خطابه لقومه : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }[هود/88].

وإن الكلمات التي تتردد على الألسن لن تغير من واقع الناس شيئا، ولن تحدث انجازا ذا قيمة ما لم تجد شخوصا يطبقونها في واقع الحياة، و يجسدونها في فعال، ويجعلون منها مثلا حيا يراه الناس، لأن الكلام قد لا يستوعبه الكل، وقد ينسى، وقد يبقى حتى في شكل نظريات يجهل الناس تطبيقها أو يطبقونها بشكل خاطئ، ولكنه إذا تجسد في شكل عملي ورآه الناس سهل عليهم تطبيقه، والاقتناع به، ولأن الفعال أبلغ من الأقوال، والقول الذي لا يسنده الفعل لن يكتب له البقاء، واستمع إلى الشهيد سيد قطب رحمه الله، وهو يعظك، ويذكرك بأنه : ( ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها وتجمعها وتدفعه، إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي، كل كلمة عاشت قد اقتات قلب إنسان، أما الكلمات التي ولدت في الأفواه وقذفت بها الألسنة ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام، إن أحدا لن يتبناها لأنها ولدت ميتة والناس لا يتبنون الأموات )[7].

وإنما هي الكلمات التي تقتات قلوب المصلحين، وحدها هي التي تصنع الحياة، ويحتفي بها الناس، ( إذ ليس المصلح من فكر وكتب، ووعظ وخطب، ولكنه الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه، وتجعل عمرا ذهنيا يكون مصرفا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف تلك الفكرة وتاريخها )[8].

وقد وعى هذه المعاني سلفنا الصالح فكان الواحد من إذا أمر بشيء كان أو ل المبادرين لتنفيذه، وإذا انتقد سلوكا سيئا كان أو التاركين له، وكان عبد الواحد بن زياد رحمه الله يقول : ( ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه ).

وفي معركة ملاذ كرد الشهيرة التي وقعت سنة 469 هجرية بين الروم والمسلمين بقيادة القائد السلجوقي العظيم ألب أرسلان رحمة الله، وحينما تواجه الفريقان وتبين أن الجيش الرومي أضعاف الجيش المسلم ( كان الجيش الرومي ستمائة ألف مقاتل، في حين كان الجيش المسلم عشرون ألف مجاهد ).

وكانت اللحظات حرجة والموقف صعب يتطلب نفوسا مضحية وعزائم صلبة، وحرصا على الشهادة.

فما كان من القائد ألب أرسلان إلا أن تنحى عن الجيش قليلا ثم اغتسل ولبس كفنه ثم وقف في جيشه خطيبا فقال:"من يريد أن يتبعني فليلبس كفنه، ومن لا يريد فليرجع" فلبس الجميع الأكفان.
 ودارت المعركة وكان النصر حليف المسلمين وأسر ملك الروم.

[1]- ابن عطية، المحرر الوجيز (6/348)
[2]- القرضاوي، العقل والعلم في القرآن/13
[3]- صحيح مسلم (2989)
[4]- الرافعي، وحي القلم:(2/178)
[5]-الراشد، النفس في تحريكها للحياة:/180-181
[6]- الراشد، منظومات التحريك/8
[7]- سيد قطب، دراسات إسلامية/112
[8]- الرافعي، وحي القلم :(2/45)