الآثار التربوية للمناشط العامة

اثنين, 03/27/2017 - 13:43
الأستاذ صبحي ولد ودادي

للعمل الإسلامي المبارك وسائل هي في أصلها أعمال تعبدية، ووسائل لم يرد بخصوصها نص معين، وإن اندرجت في عموم "وافعلوا الخير..." ولئن كان الفقه التربوي للدعاة يجعل شبهة البدعة غير واردة لديهم، فإن بعض سهو عن استحضار الآثار التربوية لهذه الوسائل ـ التي من بينها المناشط العامة التي نحن بصدد الحديث عنها ـ قد يقلل من التفاعل معها، لأن عدم وعي العلل والمقاصد مثبط للحماسة العاطفية الدافعة للعمل.

واستحضارا للأسلوب القرآني في ختم آي الأوامر والنواهي بعللها الإيمانية كما في قوله تعالى:"كتب عليكم الصيام...." فإننا نسعى في هذا لتبيان جملة من الآثار التربوية التي تتركها المناشط العامة في نفوس الزمرة العاملة.
 مؤتمر المؤمنين

ومن هذه الآثار أن هذه المناشط تشكل مثابة ومجتمعا للدعاة تتلاقى فيه أرواحهم قبل أجسادهم لما تمثله من إطار مادي وروحي للفكرة الجامعة والرسالة الموحدة.

وهذه المعاني والإيحاءات التربوية التي يلمسها المراقب تكلل اللقاءات الثنائية والجماعية للعاملين في هذه المناشط ويحس بها العاملون أنفسهم تسري في عواطفهم أوجزها الراشد في كلمة حين سماها "نظرية الأشكال المؤتلفة" متحدثا عن "مؤتمر المؤمنين" ومجتمعهم المتكامل الذي يتهادى الخير، وقد امتاح الراشد هذه النظرية من معين مدرسة التابعي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ومنهجها القائم على "التأليف بين الأرواح" والذي جعل عنوانه قوله:

و ما يلبث الفتيان أن يتفرقوا *** إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل
وهو منهج يرويه الراشد بسند صحيح ؛ شيخه المباشر فيه هو إقبال حين دعا إلى التناسق بين المؤمنين حتى في النغمات:

كل من أوتي حظا من حـياه *** في سوى بيتتـه يلقى رداه
بلبل أنت ففي الروض امرح *** ومع السرب بلحن فاصدح

ويوضح هذا الأثر التربوي للمناشط ويعلي من قيمته أن سنة التزاور التي أمر بها الشرع لتحقيقه كثيرا ما يحول دونها ضغط الحياة المدنية اليوم فليس يضاهي هذه المناشط شيء آخر في تقوية أواصر الأخوة بعد التزاور.

همس الصفوف

ومن الآثار التربوية النفسية لهذه المناشط أيضا أنها تبعث الطمأنينة في نفوس العاملين حين يجدون أنفسهم صفا متراصا وجمعا مؤتلفا وعددا غفيرا مما يشيع الأمل ويقتل إيحاءات التشاؤم التي تتسرب في لحظات الانقطاع عن مراقبة حركة القطار الدعوي ومن معاني قوله تعالى:( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ما تنبه إليه الراشد حين قال: "يوحي منظر الصفوف المستقيمة بمعنى النظام والوحدة والتراص" (منهجية التربية الدعوية،ص 57).

وقد سمى الراشد هذا الأثر التربوي ب"الامتلاء النفسي" الذي يحصل للعامل بين الصفوف المتراصة فتغمر قلبه برودة الثقة العميقة ويلهب حماسة دفء الشعور الفوار بأنه: "قد آوى إلى ركن شديد وتيار هادر".

وهذا الأثر التربوي لهمس الصفوف في آذان الدعاة مكمل لمعان أخرى لبلاغة الصفوف، سواء في خطابها لأعداء الدعوة المتربصين أن جموع الدعوة لن تغلب من قلة، أو بهزها لجموع المسلمين الغافلين : أن اركبوا معنا ولا تبقوا في معزل أبد الآبدين.

ولئن ركزنا على الأثر التربوي في نفوس العاملين فما ذلك بإغفال لهذا الأثر الأخير في نفوس عموم المسلمين فهو هدف تربوي أيضا وقد سماه الراشد "التربية القبلية" قائلا: "جميع الأعمال الدعوية يمكنها أن تحدث تأثيرا قبليا في نفوس أنصار الدعوة والمبتدئين بل في أناس لا نعرفهم يعيشون في زوايا المجتمع الكبير يبلغهم خبرنا أو يقرؤون صحافتنا وكتبنا ويشاهدون وقارنا وعفافنا، وكل ذلك يزيدهم، ويختصر لنا الطريق التربوي معهم إذا التحقوا بنا". (منهجية التربية الدعوية، ص: 33).

تناسق الشمول

ولئن كان أثر هذه المناشط في نشر الفكرة الإسلامية في مجالات الدعوة والفكر والعمل السياسي مما لا يحتاج إلى ما ذكر فإن هناك ناحية منه جديرة بالإبراز ضمن الآثار التي قد لا تتبادر إلى بادئ التفكير.

وهذه الناحية هي أن هذه المناشط بتنوعها وتكاملها ترسخ فكرا شموليا تتناسق فيه زوايا الوسطية الدعوية والتجديد الفكري والإصلاح السياسي، مما يخلق رأيا موحدا حتى خارج الدعاة بتكرار مفاهيم الشمول وهو بالنسبة للدعاة عامل توحيد في الفكر وتوسيع الخلفية الشمولية.

وفي وصف هذا الأثر يقول الراشد: "وحضورك نشاطنا بحواسك أجمع وتجردك النابذ لتطلعات الفضول: كفيلان بأن تنال يوما بعد يوم حكمة صافية تفهم بها قواعد العمل الحركي الإسلامي" (المسار، 22).

***
غير أن ثمة العديد من الآثار التربوية الأخرى ما نجمله ختاما، في المناشط العامة، منها على سبيل المثال:
· الاستزادة العلمية والروحية من البرامج والمواد الملقاة.
· الاستفادة من الدعاء العام، إذ أنه لا بد أن يكون من المؤمنين من لا ترد له دعوة.
· حصول المغفرة للحاضر مهما كانت نيته، وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ملائكة سيّارة فضلا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر، قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم ـ إلى قوله ـ فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم، فيقول [ الله عز وجل] وله قد غفرت؛ هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) والحديث بطوله في صحيح مسلم.