ميزان التصاحب

اثنين, 03/27/2017 - 13:25
الداعية المربي الشيخ محمد أحمد الراشد

رَفلت الأُمة الإسلامية دهراً بمعنى "الأخوّة الإسلامية الجامعة"، وقامت علاقاتها السياسية والاجتماعية على مبدأ التوحيد والإيمان وإذعان الجميع للشرع وأحكامه، لا على التمايز القومي، واستمر ذلك حتى أدرك جيل أساتذتنا الذين عاشوا أيام شبابهم في أول القرن العشرين وقبل الجرب العالمية الأولى بقية من تلك الأخوة الجميلة.

ثم حدثت الصيحات القومية التي بدأها الأتراك المعارضون، وسرت العدوى إلى العرب والكرد وغيرهم، فاختلفت القلوب والسياسات، وانفتح باب عريض للتأويل والخروج عن مفاد الشرع، فسرى الضعف إلى الجميع، واستبدت القوى العامية بنا.

فلم يكن للحركة الإسلامية الحديثة والمعاصرة إزاء ذلك غير الاستعلاء على المشاعر القومية، واتخاذ خطة التربية على معاني الأخوّة الإسلامية لما رأت الأيام النحسات تتوالى على أقوام الأمة الإسلامية حين أطاعت الذين برزوا فيها من الغلاة المسرفين، فإنه ليس من قوم إلا وظهر فيهم متخبظ، تعاطى سهم القومية الغالية، فعقر، وتولى بركنه يتهم الإسلام ويماري الدعوى على ما ترى، ويكون لها عدواً، و يبسط لها يده ولسانه بالسوء، ولذلك أصبح من الواجب على أي جزء من أجزاء الدعوة أن يسعى إلى إحلال معاني الإخوة الإيمانية في أعضائه، وإذا تهاون في ذلك فإنه سيذوق و بال تساهله و تفريطه.

وفي خطة " الجامعة الإيمانية" يكون :أدب الأخوة" مترجماً في تناصح و تكافل و تحابب يجمع القلوب و يعلمها التحالم، إن لم يكن الحلم، إذا أبطأ المقصر و تجاوَزَ الملحاح، مثلما يعلمها المكافأة و الوفاء و الشكر عند إسراع المبادرة، و لقد أحبّ الإمام البنا هذا الأدب للدعاة، و وضع له منهجاً بحيث( يرفع أُخوّتهم من مستوى الكلام و النظريات إلى الأفعال ة العليات).

ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقرّ عينه حياً، و برهان وفاء محبيه من بعده على توالي أجيالهم أن يكونوا دوماً عند محاسن هذا الأدب، و أن يرجعوا إليه عند أول انتباهة إذا أنستهم الغفلات.

إنها "نعمة الأخوة" : يجعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام، فيقول: (ما أُعطي عبدٌ من بعد الإسلام خيراً من أخٍ صالح، فإذا رأى أحدكم وُدّاً من أخيه: فليتمسك به.).

ويسميها التابعي مالك بن دينار: "روح الدنيا"، فيقول: (لم يبقَ من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان، و التهجد بالقرآن، و بيتٌ خال يذكر الله فيه.). و يكحر لها الشاعر وصف” الذخيرة “، فيقول:
لــعمـرك مـا مـال الــفتى بـذخـيرة  و لـكن إخـوان الـثقات الـذخـائر

ولهذا كثرت توصية السلف بإتقان انتقاء الأخ الصاحب، لتُصاب الذخيرة الحقّة و الروح الحقّة، فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين أنْ: (إنّ لك من خليلك نصيباً، وإنّ لك نصيباً مِن ذِكر مَن أحببتَ، فتنقوا الإخوان و الأصحاب و المجالس.).

فأما أولاً: فقد عمّموا صفة الخيرية بإطلاقٍ، كميزان في الانتقاء، و عبّروا عن ذلك بقولهم:
أنت فـي الناس تُقاس بالذي اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلو و تَـــنل ذِكــراً جميلا
 ثم خَصّصوا، ففسروا الخير بالتقوى، و قالوا:

نافِس إذا نافستَ في حكمة آخِ إذا آخـيت أهـل التقى
ما خير مـن لا يُرجى نفعه  يوماً و لا يؤمن منه الأذى؟

ثم زادوا و ذهبوا أبعد، فعّدوا صفاتهم، يعينوك على دقة الاختيار.

أعلى صفاتهم: طيب القول. ذكره عمر رضي الله عنه فقال: (لولا أ، أسير في سبيل الله، أو أضع جبيني لله في التراب، أو أُجالس قوماً يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط طيّب الثمر: لأحببت أن أكون لحقت بالله ).

ومن صفاتهم أنّ أحدهم : (يرفع عنك ثقل التكلف، و تسقط بينكَ و بينه مُؤنة التحفظ.)، و كان جعفر الصادق رحمه الله يقول : (أثقل إخواني عليّ مَن يتكلف لي، و أتحفظ منه. و أخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ).

ومن صفاتهم: ترك حضيض الدراهم و السفليات، و السمو إلى العلا، و ضربوا، لذلك مثلاً: انتقاء الإمام أحمد بن حنبل لأصحابه، و ذلك حين يقول الذي يُطريه :
و إخوانه الأدنون كل موفق  بصير بأمر الله يسمو إلى العلا

ومن صفاتهم الإيثار، و هو أحد أركان بيعة الشاعر صالح حيّاوي التميمي لإخوانه في العراق حين يقول:
أبـداً أظل مع التقاة ، مع الدعاة الـعاملين
الـناشرين لـواء أحـمدَ عالـياً في الــعالمين
المنصفين الـمؤثرين على النفوس الآخرين
 معهم أظل، مع التقاة، مع الدعاة المسلمين

و من صفاتهم، بذل النصح، فأحدهم : (صالحٌ يعاونك في دين الله، وينصحك في الله.).

ويجمع هذه الصفات: النفع في الدين، فإنها الكلمة الجامعة المانعة.

والمادة الموجزة في قانون التآخي: يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فيقول : (إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ).

فشأن كل داعية صاعد: أن يرتاد لنفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه و علمه، و أن يقصد المجالس التي تنفع دينه، و لا يعرف مجالس اللغو و اللهو و قتل الفراغ.

وشرَحَ ذلك شاعر الإسلام إقبال بشرط حاسم، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده، فقال يدعو الله عز و جل:
هــب نــجـياً يـا ولــي الـنعمــةِ
مُــحْرِمـاً يُـدركُ مـا فـي فـِطرتي
هَــب نـجيــاً لَـقِـنــاً ذا جُــنــةٍ
 لــيــس بالدنــيا لته مــن صـلـةِ

فهذا جماع القول: إن صاحبَ الداعية المسلم: داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة، بل صلته بالآخرة، و شوقه إلى الجنة، و بينه و بين الدنيا انقطاع و جفاء.
 إنْ تحريت عنه: وجدتَه.

إنه صاحبك. آخه و أحببه، و اصحبه، و أعطه مثل الذي يعطيك.

وإلا فإنك أنت العاجز، فإنه كان يُقال: (اعجز الناس من فرّط في كلب الإخوان، و أعجز منه مَن ضيّع مَن ظفر بهم.).

فاطلب الإخوان: ترتفع عنك صفة العجز، هدانا الله و إياك