القلوب الضارعة

اثنين, 03/27/2017 - 13:11
إخليهن بن الرجل

فَللَّهِ دَرُّ الْعَــــارِفِ النَّدْبِ إنَّهُ ** تفيض لِفَــرْطِ الْوَجْدِ أجفانُهُ دَمَا

 يُقِيمُ إذَا مَا الليلُ مَدَّ ظَلاَمَهُ ** على نفسهِ من شدَّة الخوفِ مأتما

فهو من فرط خوفه من الله ورجائه في رحمته قد بكت عيونه الدماء.

وهذا هو ديدن العارفين نفوسهم يقظة عميقة الصلة بالله، وهي من فرط خوفها منه ورجاءها في رحمته قد ناحت طويلا وبكت كثيرا حتى كأنها تقيم المآتم، وأخفت نواحها وبكائها وتحينت له ظلام الليل حيث الهدوء والسكينة والخفاء، وحيث الناس هاجعون، وحيث تحلو الضراعة والمناجاة، ويخلص القلب إلى الله متلبسا بذل العبودية، في جو من الشعور بالضعف وقلة الحيلة، و في جو من اللجوء وطلب العون من القوي العزيز. وفي صفاء الليل وهدوئه يلذ للعارف التأمل في صفحات الكون وقراءة جلال الله وجماله وعظمته فيه.

وقد جرب ذلك شاعر الدعوة عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله، وطالعنا بتجربته، وذلك في مناجاته الضارعة:

كلما أمعن الدجى وتحالك ** شمت في صمته الرهيب جلالك
وتراءت لعــــين قلبي برايا ** من جمـــال آنست فيها جمالك
وترامى لمسمـع الروح همس ** من شفاه النجـوم يتلو الثنا لك
واعتراني توله وخشـوع ** واحتــــــواني الشعور أني حيالك
 ما تمالكت أن يخــر كياني ** ساجدا واجدا ومن يتمـــــــــالك

ومن يتأمل صفحات الكون في جو الليل البهيم سيعتريه حتما الخشوع والتذلل، وسيغلب عليه الابتهال والتضرع واستشعار عظمة العظيم وجلاله.

وقد حدثوا عن الصحابي الجليل أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال ابن كثير: ( كان كل ليلة يخرج فينظر في السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد لله عز وجل... فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذ قبضت روحه وهو ساجد ) البداية والنهاية (9/19).

وقد عبر أحد العارفين عن حاله حينما يرخي الليل سدوله وتثقل بالناس المضاجع، ويعقد الشيطان عقده على قوافي الرؤوس، فقال:

لَبِستُ ثَوبُ الدُجى وَالناسِ قَد رَقدوا ** وَقُمتُ أَشكو إِلى مَولايَ ما أَجِد
وَقُلتُ يا أَمَلــــــــــــي في كُلِّ نائِبَة ** وَمِن عَلَيهِ لِكَشفِ الضُرِّ اِعتَمَـــــــد
أَشكــو إلَيكَ أَموراً أَنتَ تَعلِمُهـــــا ** مــــــــــالي عَلى حِملُها صَبرٌ وَلا جَلَدٌ
وَقَد مَــدَدتُ يَدي بِالذُلِّ مُفتَقِــــــــــرا ** إِلَيكَ يا خَـــــــــــيرُ مِن مدت إِلَيهِ يَد
 فَـــلا تَرَدّنهــــــــــــــا يا رَب خائِبَة ** فَبَحرُ جـــــــــــودِكَ يَروي كُلُّ مَن يَرد

وإنها لعمر الله ضراعة موحِّدٌ قد اسلم أمره لربه، واعترف بخطيئته التي أثقلت كاهله، فهو يمد يده إلى الله في دعاء عريض طويل، ويسأله بافتقار وتذلل أن لا يردها خائبة، وحاشاه فهو الكريم الجواد.

ومن النماذج التي لها دلالتها في هذا السياق ما ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (9/123) في ترجمة علي بن الحسين رضي الله عنه أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي؟ ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة.

ولعمري لهذه الضراعة من أرقى ما في الحياة، وأكفل طرق النجاة، وهي جوهر العبادة ولبُّها، وإن صاحبها ليشعر بنشوة، وتغمره سعادة لا تعدلها إلا سعادة أهل الجنة، وذك ما عبر شاعر الصحوة الإسلامية عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله بقوله:

أي سر يودي بدنيا حــــــــــدودي ** كلما همت في تجــــــلي سجودي
كيف تذرو سبحان ربي قيودي ** كيـــــــــــف تجتاز بي وراء السدود
كيف تسمو بفطرتي و وجودي ** عن مفاهيــــــــــــــم كوني المعهود
كيف ترقي بطينتي و جمــــــــودي ** في سمــــــــــــوات عالم من خلود
 أتراها روحا من المعبـــــــــــــــود ** قد جلت ذاتها لعـــــــــين شهودي

فسجوده ينقله عن الحياة الدنيا ومفاهيمها المادية المعهودة إلى عالم الروح، ومن عالم الطين والفناء إلى عالم الشهود والخلود.

وتلك حالة حينما تستولي على المرء تنقله من الأنس بالبشر إلى الأنس بالله كما عبر بعض السلف حينما قيل له: تكثر القعود في البيت وحدك! ألا تستوحش. فقال: ( كيف يستوحش من الله أنيسه )