سباق نحو الفردوس

اثنين, 03/27/2017 - 13:07
إخليهن بن الرجل

المؤمن يقظ حساس وثيق الصلة بالله قوي العزيمة ثابت الشكيمة رابط الجأش يتطلع دائما نحو أفراح الآخرة يحدوه آي الذكر الحكيم في وصف نعيم أهل الجنة: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا..}.

وحقا إنها أعطيات تغري المؤمن، فتزهده في الدنيا وسقط متاعها، وتعجله عن الراحة والدعة والإخلاد إلى الأرض، وتجعله دائم الفكر في نعيم الآخرة وأفراحها، كثير الشوق إلى ذلك النعيم الأبدي الذي لا ينقطع ولا يزول.

وقد تفاعل الموفقون من المؤمنين مع هذه الأعطيات التي يمنحها الله لأصحاب السبق والمسارعة، فكان من خبرهم التسابق العجيب إلى الجنان والأشواق الجامحة نحو الفردوس، روى البخاري(3820): عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال: (في الجنة). فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل.

وهذا عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما توجه إلى أحد، أراد أن يتوجه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ إن بنى هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، و والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه فى الجنة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أنت، فقد وضع الله عنك الجهاد" وقال لبنيه: " وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة"، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل يوم أحد شهيدا. [زاد المعاد لابن القيم (3/208)]

وليس هذا فحسب، بل إن حرصهم على الفردوس، وتسابقهم إليها وصل بهم إلى الحد الذي جعلهم يقترعون على الخروج للجهاد بغية الشهادة في سبيل، فهذا خيثمة أبو سعد يقول - وكان ابنُه استُشْهِدَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدر- :(لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول الحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقا وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة وقد كبرت سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة فدعا له رسول الله بذلك فقتل بأحد شهيدا). [دلائل النبوة للبيهقي (3/249)]

بل إن الأشواق أحيانا لتستبد بالواحد منهم حتى يشتم رائحة الجنة، ويوشك أن يمد يده ليتناول عنقودا من عناقيدها الحسان، كالذي رواه البخاري (3822):أخبرنا حسان بن حسان: حدثنا محمد بن طلحة: حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه: أن عمه غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول قتال للنبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ ، أني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة، أو ببنانه، وبه بضع وثمإنون: طعنة وضربة سيف ورمية بسهم.

وقد يطرب الفاجر لصفقة تجارية يربحها أو لمكسب دنيوي يناله وتقعد به آماله الدنيوية عن فعل خير هو منه قريب، بيد أن هؤلاء الموفقون ما عدوا يطربون بغير إمضاء البيعة مع الله والفوز بالشهادة، وكيلهم في ذلك حرام بن ملحان حينما جاء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيْل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم، قال حرام : الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة.

وإنه لفوز والله عظيم، أن يخسر المؤمن هذه الدنيا ويفوز بالجنان.

ولئن كان الدنيوي يفرح بدنانيره ونساءه وقصره المنيف ويتطلع دائما إلى مزيد الثراء، فإن المؤمن لا يفرحه سوى قصور الجنة وحورها العين، وما عاد يرضى من ذلك بغير بمرافقة النبي-صلى الله عليه وسلم- تماما كما روى مسلم(489): عن ربيعة بن كعب الأسلمي؛ قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: "أو غير ذلك؟" قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود".

وإن دعاة الإسلام اليوم وهم يكدحون ويجدون في كفاح مرير وجهاد مستمر ضد الباطل تدعيما للحق ورفعا للوائه، إنما بذلك يجددون سمتا قديما سنه المرسلون ومضى عليه أصحاب النبي ومن بعدهم من أجيال المؤمنين: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }.