ذنوب الدعاة

أحد, 03/26/2017 - 18:17
أحمدو ولد محمد عبد الله

يمضي الفتى أول أيامه في الدعوة في حيوية ونشاط لالتحاقه بركب الدعاة العتيق, يترنم بلوحة الشرف: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين", ويشدو باللحن النبوي: " بلغوا عني ولو آية".

 وحينما يقضي فترة من الزمن في عطاء وترق, ربما تراوده نفسه بأنه وصل, وتبدأ وساوس النفس والشيطان تحثه على التثاقل والقعود, والإكثار من الكلام دون العمل, وتوجيه النقد في غير محله والاتهام أحيانا, والتنقيص من دور آخرين. فإن هو رضخ لتلك الوساوس كانت القاصمة, وإن تعالى عليها وصرفها, وطهر خواطره, لم تضره معصية بعد بإذن الله. فإن من تغلب على أمراض قلبه حري به أن لا يعجزه مرض البدن..

أستغفر الله أن أتهم الدعاة في سرائرهم ونياتهم, لكنه العمل البشري لا تفارقه المحاسبة والمراجعة, وما العيب في أن تخطر للمرء خاطرة سوء, لكن العيب كل العيب أن تتردد هذه الخاطرة لتتحول إلى فكرة أو عقيدة أحرى قول أو فعل...

ومخطئ من يظن أن الداعية بلا ذنب, وأنه ربما تجاوز مرحلة تربية نفسه وتزكيتها, إلى مرحلة تربية الآخرين, "كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون", ومن ذا الذي ما ساء قط؟ ... ومن له الحسنى فقط؟

صحيح أن مهمة الداعية الأولى تربية الأجيال, ولكنها تربية متوازية لا يغفل فيها عن نفسه قياما بالأسحار, وترتيلا للقرآن آناء الليل وأطراف النهار, وصياما في الهواجر, وإلا لم يكن لتربيه تأثير, ولا لدعوته صدى, وأصبح من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم.

وقد ترفع الدعوة صاحبها إلى أعلى عليين, أو تكون حجة عليه. ومن هنا كانت حساسية الدعوة, فصاحبها بين مصيرين, إما أن يرتفع ويرتقي إلى مقام الصديقين والشهداء والصالحين, وإما أن "تندلق أمعاء بطنه في النار فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى".

فالوعد لمن عرف الحق فلزمه وعمل بمقتضاه, وعرف الباطل فجافاه واتقاه. والوعيد لمن دعا بقوله وصد بفعله, وتبين له الحق وأبى عنه, وإن خلا بمحارم الله انتهكها. وقد حذرنا القرآن: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون, كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" وقال:"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون".

لكن ولله الحمد قل أن تجد من الدعاة أو المحسوبين على الدعوة من يجاهر بمعصية, أو يرتكب كبيرة, أو يحتقر الصغائر, وإن مسه طائف من الشيطان تذكر وآب واستغفر... لكنه التقصير في الإتقان والتقاعد عن المبادرة, وانتظار من يقود, وقتل الإبداع, وعدم التحدث بنعم الله, وتضييع الفرص, وتبذير الأوقات. ولئن لم تكن هذه المسائل في عرف العامة ذنوبا تستدعي التوبة والاستغفار, إلا أنها في عرف الدعاة كبائر لا تقل شناعة عن التقاعس في نصرة المظلوم وتبليغ الحق, والتسويف بالتوبة.

وتكمن خطورة ذنوب الدعاة في كونها تؤثر على العمل الدعوي, والعاملين, وتؤخر التمكين, وتشوش على المناصرين..

وليس بالضرورة كل الدعاة لهم نصيب من هذه الذنوب, لكنني أشير إليها تحذيرا وتنبيها, إذ لا يعدها الكثيرون من الذنوب التي سيحاسبون عليها بين يدي الله.. كيف لا وقد سجلت " في كتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".

ولعلي أحصر أخطر الذنوب على الدعاة اليوم في أربع ملاحظات, عليهم أن يتوبوا منها توبة لا رجعة فيها, وحينها سيتم لهم التمكين, وهي:

1. التفريط في الإتقان والإحسان: ترمق اليوم الدعاة أعين الناس وهم يرون الربيع العربي يسلم الراية لحملة المشروع الإسلامي, ولن يرضى الناس وقد ضحوا وبذلوا, بالنزر اليسير, ولا بالوعود والشعارات والترقيعات, لا بل هو الإتقان والإحسان الذي حض عليه الرسول وتستدعيه الفطرة, ورحم الله عبدا إذا عمل عملا أتقنه " إن الله كتب الإحسان على مل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ", ولما أتقن قوم سليمان الصناعة قال الله لهم: "اعملوا آل دود شكرا وقليل من عبادي الشكور"

2. تضييع الوقت: إن كل دقيقة لها عمل وعليها حساب, وأي تأخير لعمل هو تأخير للعمل الذي بعده. وإذا لم يتقن الدعاة إلى الله فن استغلال والوقت, فسيظلون متأخرين عن الركب, غير شاكرين لنعمة الفراغ "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ". كان محمد يحي الولاتي يقول : "إن ضوء النهار أغلى من أن يمضي في غير طلب العلم", ومن وصايا السلف "لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد". وليس الداعية الحق من تمضي عليه الساعات الطوال في النوم والفراغ دون أن يكتسب معلومة, أو يضع في صرح الدعوة لبنة. وقد "ولى زمن النوم يا خديجة"

3. قتل الموهبة والإبداع: إن من الكبائر أن يمن الله عليك بنعمة فلا تشكرها, ولا يكون شكر النعمة إلا من جنسها, باستغلالها فيما يرضي الله. وكما قد قسم الله الأرزاق فقد قسم المواهب, فعبادة المبدع الحقيقية هي تنمية قدراته واستخدامها للتمكين لدين الله. ولا عيب أكبر من أن يعطي الله عبده موهبة ثم يقتلها, وإن انشغل بأعمال هي من صميم دعوته, لكنه كان سيقدم للدعوة أكثر لو خدمها من الجانب التي يتقن, ويجد فيه ميوله وفطرته. وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على حسان أن يستغل موهبته "اهجهم وروح القدس معك".
 ولم أر في عيوب الناس عيبا .... كنقص القادرين على الكمال

4. عدم المبادرة واستغلال الفرص: إن لله عطايا ونفحات يرسلها بين الفينة والأخرى, ليصعد المؤمن بنفسه في مدارج السالكين, ويقفز بدعوته خطوات نحو التمكين. والداعية الفطن من يقتنص الفرض, ويستغل مواسم الرحمات, ويسارع بسد الثغرات ويقدم البدائل. قال تعالى: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين". وكثيرا ما كان يردد رسول الله رغم أنفه رغم أنفه "من أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخلاه الجنة" أو " من أدرك رمضان ثم لم يغفر له", لأنه لم يستغل الفرصة ولم يتعرض لنفحات الله.

إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون

أجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها, لكنه في المقابل يكلف كل نفس وسعها, في الفهم والتفكير والعمل. فلا يصح أن يقارن الحاذق نفسه بالساذج, ولا الأمي بالمتعلم, ولا المبدع بالمقلد, ولا العالم بالجاهل, ولا الحضري بالبدوي, ولا القوي بالضعيف, ولا الغني بالفقير... وهلم جرا, فكل مكلف حسب وسعه وطاقته, وشتان بين قدرة هذا وذاك.