متى نصبح خير أمة؟

أحد, 03/26/2017 - 18:09
د. حمدي فتوح

قرأت قول الخالق الحكيم سبحانه (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ )(المعارج)، فحمدت الله تعالى أن جعلني من المصلين الذين اصطفاهم واستثناهم من جنس الإنسان المخلوق بغريزة الهلع والجزع، والحرص الدائم على الشح والأثرة وحب الذات (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )(العاديات).

إنه بفطرته يميل إلى حب الخير لذاته مفطور على حيازته والضن به (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا ) (الإسراء).
إنه يولد مفطورًا على حب الدنيا والحرص على حب ذريته، والرغبة في أن يورثهم نتاج جده وجهده.
ولو ترك كل إنسان وما يحب ويهوى ما استقامت الحياة، ولا صلح الكون، ولا أمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ)(المؤمنون).
ولما كانت النفوس مفطورة على هذا الميل الغريزي نحو الأنانية والطمع والشح والأثرة وحب الذات رأينا دعوة الإسلام تتجه إلى تخليص النفوس من هذه الأدواء؛ حتى تتطهر من هذه الغرائز الدنيا وتستعلي عن الانغماس في هذه الأوحال، وبدا واضحًا أن التخلص من هذه الدنيا يحتاج إلى قوة تنفسية عالية لا تطيقها إلا الهمم الفتية، والنفوس الأبية، والعزائم القوية، وهذه النوعية من البشر لم يمنحوا تلك القوة هبة أو مجاملة، وإنما استحقوها عندما غلبوا مراد الله فوق مراد أنفسهم، وأعلوا سلطان الله في قلوبهم، فصلحت بين أيديهم أمور الدنيا بعد أن عاشت في نفوسهم مشاهد الآخرة، وهؤلاء هم الذين عناهم الحق سبحانه وتعالى بقول (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )(العنكبوت).
إن هؤلاء الذين نجحوا في ميدان الجهاد النفسي هم الذين أخضعوا قلوبهم ومشاعرهم لمراد الله، وانطلقوا في الأرض يصلحون الدنيا بالآخرة ويعبّدون البشر لربهم سبحانه، ويخضعون أهوائهم لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا ممن عناهم المصطفى صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" وهؤلاء القادرون على ملك زمام أنفسهم وإخضاع أهوائهم لخالقهم، هم الذين تدين لهم البشرية على مدى تاريخها كله بما حققته من أمن وأمان واستقرار ورخاء، إنهم الأنبياء والأتقياء والقادة والعلماء.
وهم الحكماء الذين يعيدون للبشرية رشدها عندما تغلبها الأنانية وتصرعها الأهواء، وإنك لتستطيع أن تقف على الحقيقة التي تجمع بين هؤلاء المصلحين من كل ملة، وفي كل أمة، وهي أنهم جميعًا لم يكونوا عبيدًا لأهوائهم، أو ضحايا لغرائزهم وشهواتهم وإنما كانوا جميعًا أصحاب رسالة ملكت عليهم قلوبهم وخالطت أرواحهم، وامتزجت بمشاعرهم ووجدانهم فكانوا كما وصفهم خالقهم: (إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(الأنفال)، (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )(الذاريات).
إنهم هم المتقون (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )(آل عمران)، وهم الذين (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ)(آل عمران)، لأنهم يدركون أن لهم ربًّا يراقب أعمالهم ويرحم ضعفهم ويتولى أمرهم، ويغفر ذنوبهم، فهم دائمو الأوبة إليه والرجاء فيه والخوف منه، ويحسنون التوكل عليه، (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ )(آل عمران)، إنهم يعيشون في الأرض لكن قلوبهم معلقة بالسماء، فهم لا ينسون لحظة أنهم خلقوا بيد الله في أرض الله ليعمروها على شرط خالقها سبحانه وتعالى؛ لأنهم يعلمون أن الله استخلفهم في الأرض لينظر كيف يعملون، ويدركون أن بقاءهم في الأرض محدود وما يؤخرهم الله فيها إلا لأجل معدود، وأن وجودهم في الأرض كان اختبارًا لصدقهم فيما تحملوه عن ربهم من أمانة التكليف، وقيادة الأرض على منهج الحق سبحانه وتعالى(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )(الملك).
لقد عرفوا أن لهم ربًّا خلقهم بيده واصطفاهم لنفسه، واستقل وحده بشئونهم: حياةً وموتًا وبعثًا ونشورًا، فلم يشركوا به أحدًا، ولم يجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا: فيه يرزقون ومنه يرجون وإليه يلجئون وعليه يتوكلون وبين يديه يقفون وإليه يرجعون، فلم يُشغلوا عنه بغيره، ولم يرهبوا سواه، عظموه في قلوبهم فصغرت في أعينهم الدنيا، (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ )(النور)، بهذه القلوب المعمورة بالإيمان المملوءة باليقين الممزوجة بالخوف والمطمئنة بالرجاء المشرق بنور الله قادت في الأرض خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم أقاموا في الناس عدل الله، فشعر الناس بالأمان والاطمئنان في ظل نهج يستوي أمامه الصغار والكبار والعبيد والأحرار (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )(الزلزلة)، وتحت مشيئة رب لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض لا يقع في ملكه إلا ما يريده، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا به (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ )(الرعد).
إن لك أن تتصور حاكمًا ينتسب إلى هذا النوع من البشر كيف يكون حاله مع رعيته؟
هل كنت تراه إلا على شاكلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ وهل كنت تجد منه أمام الأعداء إلا مثل عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وقطز وبيبرس وصلاح الدين الأيوبي وعز الدين القسام.
ولك أن تتصوره رئيسًا لمؤسسة أو مديرًا لمدرسة أو طبيبًا في تخصه أو مهندسًا في مصنعه أو موظفًا في دائرة عمله، هل كنت تجد هؤلاء جميعًا إلا جنودًا يراقبون الله في أعمالهم، ويتفانون في إسعاد مَن حولهم إرضاء لربهم، ورغبة فيما أعده للمؤمنين من ثواب العاملين الصادقين؟!.
ثم لك أن تتصور حياة أمة مسئولوها وموظفوها وأطباؤها ومدرسوها من هذا الصنف العظيم كيف يكون شأن هؤلاء الناس؟! هل كنت تجد من يُجبر على أن يبيع أثاث بيته ليوفر ثمن الكشف لدى الطبيب المشهور الذي غاب عن طلابه في كليته أو عن قسمه في المستشفى حتى شاع لدى الناس أن المستشفيات ليست إلا مبان وأجهزة دون أساتذة أو متخصصين؛ لأن الطبيب الناجح والمشهور ضنّ بعبقريته على أمته ومواطنيه، وقصر نجاحه على إثراء نفسه، وإشباع نهمه وحرمان الأمة كلها من خيره، واختار أن يتاجر بذكائه وموهبته بالطريقة التي يراها، مجتهدًا في اختراع الحيل والوسائل التي يبتز بها جيب المريض بأكبر قدر ممكن عندما يأتيه مضطرًا في عيادته الخاصة.
ولو أن كل طبيب أو معلم أو مهندس أو موظف أدى الواجب الذي عليه قبل أن يأخذ الحق الذي له، فأتقن وقته وأخلص جهده في مجال عمله لوجد كل مواطن حظه من الخدمة التي راح ينشدها، ولاستفاد من الضريبة التي يدفعها من قوته وقوت أولاده ليوفر لنفسه ولولده حقهم في حياة آمنة وعلاج مناسب وتعليم مثمر جاد في هذه المؤسسات التي بنيت بماله وعرقه ودمه، وأنفقت على هذا الطبيب والمهندس والمعلم والموظف حتى صار مرموقًا يشار إليه بالبنان.
إن أعظم استثمار تمارسه الأمة بأيدي أبنائها البررة ورجالها المخلصين هو ما تنفقه لتيسير مهمة الدعاة المخلصين لكي يصلوا إلى كل قلب، ويتسللوا إلى كل نفس بنور الهداية وروعة الوحي، ويقظة الضمير، فإذا النفوس آمنة والقلوب ساكنة والأرواح مطمئنة بنور الله.
إن قوانين الأرض كلها مهما عظمت، ومراقبة الناس مهما قويت لا تستطيع التسلل إلى خفايا النفس وطوايا الضمير لكي ترد النفس إلى سويتها وتغسلها من لوثتها وتهديها سواء السبيل، لكن ذلك كله يتحقق إذا توافر للقلب حضور عميق مع ربه ثم قرأ قوله تعالى: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )(البقرة)، وأردفها بقول ربه سبحانه: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )(المطففين).
إن الحياة لا تستقيم في مجتمع يذهب فيه كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد ولا مدى، يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط، وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط؛ فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته، فالإسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها، والمساواة الإنسانية في أدق معانيها، ولكنه لا يتركها فوضى، فللمجتمع حسابه وللإنسانية اعتبارها وللأهداف العليا للدين قيمتها.
وهنا يأتي في دور السلطة العليا التي تصون للمجتمع هذه الحقوق وتحفظ له مقاصده الشرعية، وضروراته البشرية متمثلة في حفظ (الدين والنفس والعرض والعقل والمال) في إطار من الشعور بالحرية والعزة والكرامة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون).