من ضرائب الاصطفاء

أحد, 03/26/2017 - 18:03
سيدي محمد بن أحمد عيسي

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)}، وفي ظلال هذه الآية نحاول أن نتوقف للإشارة إلى بعض الضرائب التي ينبغيها أن تعطيها الصفوة المؤمنة مقابل الاصطفاء.

 وليست هذه الوقفات مع الآية تفسيرا لها، وإنما استئناسا بها وسيرا في ظلالها واستعانة بما يشهد للمعاني التي نوردها من كتاب وسنة.. وما يؤيد من عمل الصالحين السابقين.
 ولعل الوقوف مع ضرائب الصفوة المؤمنة بالضوابط التي ذكرنا أعلاه يتلخص في مجالات ثلاث هي: الضرائب الإيمانية والتربوية أولا، والضرائب الحركية والتخطيطية ثانيا، والضرائب الاجتماعية ثالثا.
أولا: الضرائب الإيمانية والتربوية:
1-  هو اجتباكم:وأول ما يلزم الداعية معرفته هو معرفة أن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره لهذا العمل، وليس هو من اختار نفسه، وليست فيه المؤهلات لو لم يجعلها الله فيه؛ لأنك كم تجد ناسا أعقل منك أو أذكى منك، أو أشرف منك اجتماعيا، أو أكثر منك جاها أو مالا، أو أكثر وسائل... ولكن الله لم يوفقهم لاختيار طريق الدعوة إليه، أو وفقهم للدعوة، ولم يوفقهم للمنهج الصحيح، أو وفقهم للدعوة والمنهج الصحيح، ولم يوفقهم للثبات على ذلك، إلى آخر اللائحة، فكل ذلك من عند الله؛ ولذلك قال الله تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين"، فلا بد إذن للداعية أن يعرف أن مصدر اجتبائه واصطفائه هو فضل الله تعالى المحض "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس"، "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم"، "وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"، إلى آخر الآيات الدالة على هذا المعنى، وهو معنى كبير، يحتوي جزئيات متعددة، منها الاصطفاء لأصل الإيمان، والاصطفاء لكون الشخص من الدعاة إلى الله سبحانه، والاصطفاء لكونه يدعو على بصيرة ومنهج صحيح، والاصطفاء للثبات على ذلك، والاصطفاء في جعله في جماعة تتحد معه في الفهم وتقومه إن انحرف، وتساعده إن استقام، والاصطفاء للتآخي مع هذه الجماعة "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بيهم"... إلى غير ذلك من الجزئيات التي لا حصر لها "وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها".
22-واعتصموا بالله هو مولاكم:ومقتضى رد الفضل في الاجتباء إلى الله سبحانه وتعالى الاعتصامُ بحبله، والتحاكم إلى شرعه، والرضى بقضائه وقدره، وجعله مولانا الأوحد الذي لا يشاركه مال ولا جاه ولا منصب؛ فكم من داعية قضى زمانا في الدعوة، لكن دخل عليه شرك خفي جعل المنصب أو الجاه أو المال مولاه مع الله أو دون الله والعياذ بالله فهلك بذلك نسأل الله السلامة والعافية. ولا بد للداعية أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يرده عن الدعوة إليه، وأن يصطفي غيره كما قال: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"، ومقتضى هذا أن يجعل بين عينيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" [رواه مسلم]، فمن عرف مرامي هذا الحديث ومقتضيات قول الله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" خاف على نفسه الضلالة بعد الهدى؛ فزاده ذلك ارتباطا بمنهج الله وعضا بالنواجذ عليه، وكيف لا وهو يقرأ في كتاب الله قول الله تعالى: "فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" فهذا المنافق ارتكب معصيتين عاديتين هما "الكذب وخلف الوعد"، فكانتا سبب الطبع على قلبه وضمِّه للمنافقين مدى الدهر.. فعلى المسلم الداعية إلى الله أن يعتصم بحبل الله، وأن يدرك معنى الاختيار والاصطفاء، وضرورة الاعتصام بحبل الله والتوكل عليه واللجاء إليه في كل حركة وسكون حتى لا يقع التبديل والتغيير "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له".
3-  اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم:وإذا عرف الإنسان ضرورة الاعتصام بحبل الله وأنه وحده الموفق ووحده الولي ووحده الناصر اقتضى ذلك ضرورة عبادته وإكثار الإخبات بين يديه؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو معلوم مشهور؛ لذلك كلما زادت طاعة الإنسان لله كلما زاد تمسكه بالدين، وقوي احتمال بقائه ضمن المصطفَيْن الأخيار، وكلما فرط في الطاعة كلما نقص إيمانه ويقينه، وقوي احتمال ارتكاسه، واحتمال دخول الشهوات والشبهات عليه؛ لذلك قال الله تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم..."، وقال: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى" "ويزداد الذين آمنوا إيمانا..."؛ وخير ما يزيد الإيمان فرائض الله تعالى، والمفترض في الداعية أنه قد أدى الفرائض والرواتب، وزاد من النوافل قدر المستطاع؛ ومصداق ذلك قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: "... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" [صحيح البخاري] فالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بفرائضه هو أحب القربات إليه، وأفضل العبادات الفردية الصلاة المشتملة على الركوع والسجود، ويليها من غير الفرائض نوافل الصلاة أيضا، وإذا أشفعت بنوافل العبادات، ودوام المراقبة والمحاسبة المندرجة تحت لفظ "اعبدوا ربكم" زادت إيمان الإنسان ويقينه حتى يثبت على الحال التي يكون عليها حين تكون ذروة الإيمان؛ ولذلك جاء في صحيح مسلم "ن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي قال وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات"، وهذا الحديث، وإن كان يدل على أن الانسان قد لا يستطيع الاستمرارا على وتيرة واحدة من العبادة إنه في زاوية أخرى من زواياه دليل واضح على مستوى محاسبة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأنفسهم، وانتباههم لما يطرأ عليها حين انشغالهم بالمباحات (التي تتحول بنياتهم الصالحة إلى عبادات) عن الطاعة المجردة، حتى إنهم يجعلون الانشغال بتلك المباحات وكأنه نوع فضول مذموم سادين بذلك الثغرة على الشيطان كي لا يدخل إليهم عن طريق المباحات، فيشغلهم بها عما هو أفضل منها...
ثانيا: الضرائب الحركية والتخطيطية:
1-  وجاهدوا في الله حق جهاده:إن الجهاد في الله حق المجاهدة كالتقوى حق التقاة أمران مطلوبان رغم علم الله بعلو شأنهما وعجز أغلب الناس عن الوصول إليهما إلا أن ضابطا شرعيا يضاف إليهما فينسجم الأمران ضمن سياق الأوامر الشرعية المقيدة بالطاقة والاستطاعة "فاتقوا الله ما استطعتم"، "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، "وما جعل عليكم في الدين من حرج" "ولا نكلف نفسا إلا وسعها" فضابط التكليف بالوسع ضابط مهيمن على كل الأوامر الشرعية، والوسع مسألة موكولة إلى الإنسان المسلم، هو الذي يحدد مداه، والله يعلم من يبذل وسعه ومن لا يبذله؛ لذلك عاب المنافقين حين تخلفوا عن رسول الله بحجة عدم جاهزيتهم للقتال فقال سبحانه: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين"، في حين مدح صنفا آخر من الناس يشترك مع هؤلاء المنافقين في كونه لا عدة لديه" فقال تعالى: "ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون"، فليس من فرق بين هؤلاء الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا.. وأولئك الذين سبق ذكرهم وعدم إعذارهم إلا أن هؤلاء بذلوا الوسع فلم يجدوا.. وأولئك لم يبذلوا الوسع.. وتعذروا، فبذل الوسع إذن حتى يجاهد الإنسان في سبيل الله حق جهاده مطلوب شرعا بكل تأكيد، والإنسان فيه حسيب نفسه، وطبيعة الداعية الخوف الدائم على نفسه من النفاق كما كان قدواته من قبل "أبوبكر الصديق، وحنظلة....".
 والجهاد المقصود هنا ليس القتال بالسيف، وإن كان عموم اللفظ يشمله؛ وذلك لأمور منها: أن الآية مكية، ونظيرها قوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة أخرى مكية: "وجاهده به جهادا كبيرا"، والمقصود الجهاد بالقرآن، وهو جهاد قولي، وليس قتاليا، ويشهد لهذا المعنى أيضا قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في آيتين من القرآن: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"، فقد فسر كثير من العلماء جهاد المنافقين بأنه "الجهاد بالحجة والبرهان"؛ هذا بالإضافة إلى أن عموم لفظ الجهاد، وحذف المجاهَد (بالفتح) يعطي اللفظ شمولا لا يمكن حصره ولا الاستثناء منه إلا بدليل.
 وهذا الجهاد يشمل جهاد النفس بأطرها على الحق، وتقيومها على المنهج الصحيح، امتثالا لقول الله تعالى: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين"، وقوله: "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، وتعرضا لوعد الله للذين جاهدوا فيه بالهداية في قوله: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".. وليس لهذا النوع من الجهاد وقت ينتهي فيه، ولا له مقام يوصل إليه، حتى يلقى الإنسان الله على هذا الحال، خوفا من نفسه الأمارة بالسوء، ومن الشيطان عدوه الأكبر "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"، "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا..."، والشيطان أقسم "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"، ولكن للإنسان الجزم بكونه من المخلصين حتى يلقى الله تعالى، وقل نفس الشيء عن النفس، فالصديق عليه السلام بعد أن اجتباه الله لرسالته، وحفظه من "السوء والفحشاء"، وجعله من "عباده المخلصين" يقول عن نفسه: "وما أبرء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي"، والله تعالى يقول: "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأموى"، ويقول: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها؛ قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها"؛ لذلك لا يمكن لهذا الجهاد أن يتوقف قبل الدخول في الجنة، وارتفاع التكليف...
 ويليه نوع آخر من الجهاد مثله في الديمومة والاستمرار، وهو يتألف من شقين شق متعلق بالاستقبال، وشق متعلق بالإرسال؛ فالأول يقتضي أن يتعلم الإنسان دينه حتى يعبد الله على بصيرة، والثاني يقتضي أن يدعو لما علم "بالحكمة والموعظة الحسنة"، وهذا المستوى يتطلب صبرا أكبر ونفسا أطول؛ لأن الإنسان في طلبه للعلم وعمله به ودعوته الناس إلى ذلك يجد من نفسه ومنهم عنتا ومشقة لا يثبت فيها إلا من علم معنى قول الله: "فاصبر على ما يقولون، واهجرهم هجرا جميلا"، وكلما اتضحت الرؤية له أكثر وآمن بما أعد الله له كلما هان عليه ما يقومون به، وما يقولونه عنه، وجعل شعاره "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وباليقين على وعد الله، والصبر على قدر الله ينال الإمامة في الدين، فيتحقق فيه دعاء المتقين الذين دخل في سلكهم "واجعلنا للمتقين إماما"، وهي منزلة عظيمة ينال الإنسان أجر من تبعه إلى الهدى الذي يدعو إليه إلى آخر الدهر...
22-ملة أبيكم إبراهيم:والصبر على ما يلاقيه الداعية من الناس يقتضي منه معرفة المنهج الأسلم للتعامل معهم، وقد جعل الله تعالى قدوتنا في ذلك إبرهيم خليل الرحمن عليه السلام، فقد هجر قومه هجرا جميلا جعله متصلا بهم من ناحية الدعوة ومقتضيات البشارة والنذارة، ومنفصلا عنهم من ناحية تأثيرهم السلبي فيه، فيؤثر فيهم ولا يتأثر بهم في إفكهم وشركهم وباطلهم جاعلا شعاره كما حكى الله عنه: "إني مهاجر إلى ربي"، وقول الله تعالى حكاية عنه أيضا: "إنا برئاء منكم..."، وملة إبراهيم منهج عجيب في الدعوة والصبر وطول النفس، يشتمل على أطوار شتى، ومراحل متعددة من الرضى بقدر الله والاستجابة لأمره؛ فهو الذي رد عرض جبريل حين سأله (وهو في طريقه إلى النار ملقى فيها من طرف أعداء الله) ألك حاجة؟ فقال في ثقة المؤمن الواثق بنصر الله الراضي بقضائه المتشرف بالموت في سبيله: "أما إليك فلا" [شعب الإيمان للبيهقي]، وهو الذي ابتلى بالظلمة وهو في طريقه مهاجرا بزوجه سارة، وهو الذي ابتلى بتأخر الولد عنه، وهو الذي ابتلي بأن يطرح ولده "بواد غير ذي زرع"، وابتلي بعدما بلغ الحلم أن يذبحه...! وفي كل ابتلاء ينجح بتميز خارق؛ لذلك كان خليل الرحمن، واستحق بفضل الله أن يكون إمام المتقين، وأن يستجاب دعاؤه: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين" فيكون قدوة للمتقين، وأبا للأنبياء...
 وكل هذه وقفات مختصرة لسيرة نبي عظيم من أنبياء الله يجب الوقوف على منهجه حتى يتبينه الدعاة، فيكسبهم الاستقامة...
 وعلى كل فكل هذه الابتلاءات من قدر الخير لأن "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" [البخاري]؛ ولأنه: "ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" [البخاري]، فمن ضرائب الاصطفاء التعرض لهذا البلاء الذي يرفع الدراجات ويحت الخطايا... وأشد البلاء دائما هو ما كان منه حين الجهاد وخاصة الجهاد الدعوي، وقد يستغرب المستعجل هذا!، لكن حين نعود إلى ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة حين سألته: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" [البخاري]، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين في هذا الحديث صعوبة ما لاقى في الجهاد البلاغي الخالي من القتيل "لقد لقيت من قومك ما لقيت"، ثم بين أشد ذلك، وهو يوم جاء الطائف وخرج منه يتبعه سفهاء أهل الطائف حتى أدموه... وهنا تتبين القدرة الإلهية الخارقة التي أودعها الله قلب حبيبنا صلى الله عليه وسلم، ففي هذه اللحظات حين يتمكن ويقدر على الانتقام من هؤلاء المكذبين يبادر بالعفو عنهم، وإبداء الحرص عليهم..!! وإنها لرحمة يجب على الدعاة التحلي بها دائما في جهادهم للناس.. وليس الجهاد اللازم لتحقيقها بأيسر إطلاقا من الجهاد السابق لها واللاحق عليها.. والدارس لسير الأنبياء وخاصة يوسف في قوله لإخوته بعد كل ما اقترفوه تجاهه: "لا تثريب عليكم..."، وقول الحبيب صلى الله عليه وسلم لأهل مكة حين فتحها "اذهبوا فأنتم الطلقاء" [السنن الكبرى للبيهقي] الدارس لتلك السير يدرك هذا المعنى، ويقتدي...
3-  العمل الجماعي:من ضرائب الاصطفاء كذلك الاستعداد للعمل الجماعي وما يتطلبه من ذوبان للفرد داخل الجماعة حتى لا يكون داخلها أكثر من عضو في جسم، أو حجر في بنيان "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" [البخاري]، و"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [مسلم]، و"المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" [مسلم]، وهذا الانصهار داخل الجماعة يتطلب قدرا كبيرا من التضحية بالرأي، وعدم تضخم "الأنا"، لا يؤتاه إلا من خلصت نيته، وصدق إيمانه، فـ: "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله"، وبالعكس المنافقون، وكل في مجموعته "المنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف..."، فمن لوازم الاصطفاء العمل في جماعة، وهي ضريبة صعبة، فكثير من الناس سهل عليه أن يعمل وحده صعب عليه أن يعمل في جماعة، وهذا مرض كبير، صاحبه لا يصلح لأن يحمل دعوة الله؛ إذ الأنبياء كانوا يقولون: "من أنصاري إلى الله"؟، قالها عيسى عليه السلام، وقبله كان قوم لوط قد أدرك ضرورة الأنصار والحماة فقال: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد"، وقوم شعيب قالوا له: "ولولا رهطك لرجمناك"، والله تعالى حين جعل إبراهيم قدوتنا جعله قدوتنا في إطار من معه -وإن كانوا قلة- فقال: "لقد كان لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه"... ولا يخفى على عاقل أحرى داعية، أن كثيرا من أحكام الدين وفرائضه لا يمكن أن تتم إلا في جماعة، ولا دور للأفراد المبتورين عن الجماعات فيها إطلاقا.
 وهذا العمل الجماعي باعتباره ضرورة من ضرورات الثلة المصطفاة، وضريبة يجب على أفراد المصطفين الأخيار دفع لوازمها، يتطلب شروطا وأركانا يطول المجال عن ذكرها، ولعل أهمها الجندية المطيعة، والقيادة الواعية...
4-  ما بين أيديهم وما خلفهم:وقبل بيان المقصود بهذا العنوان، يحسن أن نشير إلى إجمال في لفظ "ما خلفهم" إذ يشمل ما هو خلفك بمعنى الماضي، وما هو أمامك بمعنى المستقبل، وقد كثر استعمال العرب للخلف في كل غيب ماضيا كان أو مستقبلا، وإن كان استعماله في الماضي كثيرا فقد فسر به في المستقبل قول الله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}.
 لذلك فمن ضرائب الاصطفاء زيادة علم على الناس، فالداعية لا بد أن يكون أوفر علما وأكثر خبرة من غيره يستوي في ذلك علم الشرع "دستور العمل"، وعلم الواقع "ميدان التطبيق"، وعلم الماضي "ميدان التجربة" وهذا يتطلب عدة أمور:
 أولها:معرفة الواقع: فالذي لا يعرف الواقع ومتغيراته لا يمكن أن يغير فيه، ولا يمكن أن يؤثر، والذي يعرف الواقع، ولا يعرف أسلوب التعامل معه كذلك لا يمكن أن يغير ولا أن يؤثر، ولذلك امتن الله تعالى على المؤمنين بأنه بعث إليهم رسولا من أنفسهم، "لقد جاءكم رسول من أنفسكم"، "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم"، وهي سنة إلهية عامة في كل الرسل، فقد قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"، بل إن الله سبحانه وتعالى بين أن الرسل لا ترسل إلا من جنس الأقوام التي تخاطبها، وذلك في قوله: "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"، وكما أن الرسول يكون من قومه فإن الداعية لا بد أن يكون من قومه الذين يدعوهم بمعنى أن يكون مطلعا على أحوالهم في المعاش وعاداتهم وتقاليدهم مواكبا لما يستجد من ذلك، عارفا بنفسياتهم، وآليات التأثير فيهم.. مدركا نقاط قوتهم ونطاق ضعفهم... وهذا علم يحتاج إلى وقت يحصل فيه، ومدة زمنية يعرف فيها فهو لا يحصل بين ليلة وضحاها، وغالبا ما لا يوجب في الكتب، وإنما كتابه الواقع ومعايشة الناس، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" وهي أبلغ أنواع معايشة الناس... وهذا العلم الذي لا يوجد في الكتب غالبا والذي يكلف تعلمه وقتا، ويكلف التحفظ من التأثر السلبي بما فيه مما يخالف منهج الدعوة جهدا.. ويكلف الجمع بينه وبين التربية الإيمانية، و"الهجر الجميل" تعبا ونصبا... كل ذلك يشكل ضريبة عظيمة على الداعية أن يدرك تبعاتها...
 وثانيها:التشوف للمستقبل: فالذي لا رؤية مستقبلية له يمشي على غير خطة، ويسير في غير بصيرة، فالله سبحانه وتعالى وهو بكل شيء عليم، خلق السماوات والأرض وفق نظام محكم، وخطة واضحة قال تعالى: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، وقال: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ"، فكون الله تعالى كتب الأشياء قبل تقديرها وهو العالم بكل شيء يدل على ضرورة تخطيطنا نحن محدودي العلم والعمر.. "أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال رب وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" [سنن أبي داود]، "أول ما خلق الله القلم خلقه من هجا قبل الألف و اللام فتصور قلما من نور فقيل له : اجر في اللوح المحفوظ قال : يا رب بماذا ؟ قال : بما يكون إلى يوم القيامة فلما خلق الله الخلق و كل بالخلق حفظة يحفظون عليهم أعمالهم فلما قامت القيامة عرضت عليهم أعمالهم و قيل : { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } عرض بالكتابين فكانا سواء قال ابن عباس : ألستم عربا هل تكون النسخة إلا من كتاب" [المستدرك على الصحيحين]، وحين نرجع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ندرك ضرورة التخطيط واستشراف المستقبل؛ لأن الذي لا يتضح في ذهنه مستقبله تصورا على الأقل لن يسير إليه بخطى صحيحة، وستبغته الأحداث بما لا يتوقع، ولن يستطيع مغالبة أقدار الشر بأقدار الخير، ولا الفرار من "قدر الله إلى قدر الله"؛ ومصداق هذا الاستشراف للمستقبل ما تكرر في القرآن الكريم من وعود بالنصر للمؤمنين، وهم يومئذ تحت سياط قريش وتحت رأفة غضبها المتزايد على دين الحق.. وحنقها المشتد على الفتى الذي سيسرق منهم مستقبلهم بصدقه وأمانته واجتماع القلوب حوله...!!، وبعد ذلك ايضا والحرب سجال بينهم وبين عدوهم، ومن هذه الوعود والإشارات: قول الله تعالى: "وكان حقا على نصر المؤمنين"، وقوله: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"، وقوله: "عَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا"، وقوله: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ"، هذا بالإضافة للقصص القرآني المتعلق بسنة الله في نصر المؤمنين وخذلان المكذبين كما في قوله: "فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ"، كما أن البيان النبوي تكفل بتفصيلات الرؤية المستقبلية للمؤمنين، وذلك كما في حديث خباب رضي الله عنه قال: "شكونا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو متوسدٌ بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمئشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه لكنكم تستعجلون" [الجمع بين الصحيحين]، وكذا وعده للمؤمنين "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون"، ووعده لهم بفتح خزائن كسرى وقيصر... وما زال ننتظر بعض ذلك المستقبل في فتح روما وانتظار الخلافة على منهاج النبوة...
 وعلى كل فهذه بعض الإشارات لضرورة الرؤية الثاقبة للمستقبل إلا أن الرؤية الشرعية تبين عن طريق الوحي ما سيكون في حين يبقى علينا نحن البحث عن الوسائل، ومغالبة أقدار الشر بأقدار الخير حتى نحقق ما نطمح إليه.. كما يجب علينا أن ننظر لأحسن الطرق المؤدية إلى ما نصبوا إليه بأقل التكاليف وأيسر الطرق وأقربها إلى منهج الحق باذلين في ذلك الجهد حسب الإمكان الزماني والمكاني.. وكل هذا يحتاج إلى معرفة بالشرع لرد الوسائل إليه، ومعرفة بالواقع لمعرفة ما يناسبه، وقدرة على الاستشراف ببصيرة للمستقبل والتحكم فيه ويقظة تقضي تكييف الخطة مع المستجدات.. وهذه تبعات تحتاج جهودا مضنية لا يوفق لها إلا الصفوة أو صفوة الصفوة على الأصح...
 وثالثها:معرفة الماضي ميدان التجارب السابقة للعاملين للإسلام ملدن آدم وحتى اليوم، ومعرفة الماضي ضرورة مهمة في كل داعية اختاره الله لأن يحمل لواء دينه، ففيه كل تجربة دعوية ناجحة، وكل تجربة دعوية فاشلة، كما أن فيه كل محاولات أعداء الدين لطمسه، وإثاراتهم للشبه حوله... وهذا المعنى واضح في القرآن لمن تلمسه وتتبعه، فقد بين الله تعالى في غير ما آية من كتابه قصص السابقين، من الأنبياء والصالحين، وكذا قصص المكذبين من أعداء الله ورسله، بالإضافة لتدوين شبههم حول الدعوة، والتكلف بالرد عليها، وكذا بيان ما يقتدى به من سير السابقين وما لا يصلح للاقتداء حتى ولو كانوا صالحين؛ ومن هذا المعنى قول الله تعالى بعدما بين ضرورة الاقتداء بالتأسي بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {..إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك}، ومن ذلك قوله في شأن يونس عليه السلام: {ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم}، وهذا على الرغم من كون هذين النبيين مدرجان ضمن لائحة من الأنبياء عقَّب الله عليها بقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}، واستثناء بعض مواقف الأنبياء من لائحة الاقتداء يدل على ضرورة معرفتنا للتاريخ، وانتقائنا لأجود ما فيه، وتجنبنا لمساوئ أهله... ويشهد لهذا المعنى أمران:
 الأول:أن الله تعالى قال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، فليس كل قول يتبع، ولكن كل قول يسمع...
 والثاني:ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه "يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء" [صحيح البخاري]، مع ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من نهي عن تصديقهم أو تكذيبهم في قوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" [صحيح البخاري]، وما صح عنه في قوله: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن" [البخاري]، وهذا إنما جاء على وجه الذم كما في قوله: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"[صحيح مسلم]، وذلك مخالفة لليهود؛ فالجمع بين هذه الآثار يقتضي موافقتهم فيما كان إيجابيا من أخلاقهم وعادتهم يشهد له الشرع بالإباحة –ولو سكوتا- والعقل بالصواب.. ومخالفتهم في كل ما هو من شأن الدين المحرف عندهم مع التوقف فيما لا نعلمه منه (وأغلب ذلك أخبار جائزة الوقوع)...
 وعلى كل فالأخذ من إيجابيات كل قوم والتوقف عن سلبياتهم استنادا للمبدئ النبوي الشريف "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" [جمع الجوامع للسيوطي]، أولى بالدعاة وأجدر بهم خاصة أنهم في مجتمعات مسلمة ما زالت تحافظ على كثير من الأخلاق الشرعية الصحيحة، والقيم الإنسانية السليمة.
 وهذه الأركان الثلاثة معرفة الماضي وأخذ العبرة منه ومعرفة الواقع وتعقيداته، والتشوف للمستقبل وآماله بعد معرفة الشرع المهيمن على كل ذلك والوازن له هي المراد بما بين أيديهم وما خلفهم في العنونة أعلاه.

ثالثا: الضرائب الاجتماعية:
1- وتكونوا شهداء على الناس:وأول الضرائب التي يدفعها الداعية المصطفى المختار من الله تعالى اجتماعيا هي ضريبة الشهادة على الناس فالله تعالى قال: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس"، وقال: "ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس"، والشهادة على الناس تحتاج إلى العلم اليقيني بواقع الناس، وهو أمر تقدمت الإشارة إليه، بالإشافة إلى الشهادة التي تعني معنى الحضور والفاعلية، فالذي لا يكون فاعلا في حياة الناس أقرب إلى الشهادة على نفسه منه إلى الشهادة عليهم، حتى ولو كان عالما بما يعملون؛ إذ لماذا لم يأمرهم ولم ينههم حتى يقيم عليهم الحجة؟! ومعايشة الناس والشهادة على واقعهم تستلزم قدرا من تحمل أذاهم والصبر عليه؛ إذ "المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، ومخالطة الناس تشتمل على هذا الأذى لا محالة، وهي ضريبة تنضاف إلى لائحة الضرائب المترتبة على الاصطفاء.
2-وما جعل عليكم في الدين من حرج:الضريبة الاجتماعية الثانية تقتضي التبشير بدل التنفير والتيسر بدل التعسير، فهذه الآية المكية تؤكد رفع الحرج والمشقة في الدين، ومثلها: "ولا نكلف نفسا إلا وسعها" فهي آية مكية أخرى تؤكد هذا المعنى، وتلت ذلك الآيات المدنية تتواتر على نفس المعنى، من ذلك قول الله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" "يريد الله أن يخفف عنكم"، "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها"، فالداعية إلى الله سبحانه وتعالى أمام الضرائب الاجتماعية والمشقات التي يلاقيها من الناس، قد يأخذه احتياط وتشدد منزعهما مدخل شيطاني خفي، فينزع إلى التشدد على الناس وسد الطرق أمامهم وإلزامهم باحتياطات لم يلزمهم الشارع بها، ويبرر ذلك بالتخوف من تفلتهم من ربقة الشارع، في حين أن الشارع الحكيم لم يكلفه بذلك أولا، وثانيا ليس الدافع ما صورت له نفسه، وإنما هو نوع انتقام خفي من المجتمع في إعراضه عن الدعوة أو عدم انسجامه معها تجسد في تشديد عليه، وهذا المنهج بعيد من المنهج النبوي الشريف، فالرسول صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذ ابن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن أوصاهما أن: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" [البخاري]، وقال ابن شهاب "أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا هريرة أخبره أن أعرابيا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" [البخاري]، وهذا التطبيق العملي المناسب لجهالة البائل في المسجد يقتضي أن التيسير لا بد أن يشمل الكل وأن يناسب ثقافة الفاعل ومستواه العقلي والفكري فردا كان أو جماعة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي تعامل مع البائل في المسجد هذا التعامل هو نفسه الذي قال: "النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" [صحيح ابن حبان]، ولا شك أن البول في المسجد أعظم من النخامة فيه، لو وزنا أعمال الناس بميزان واحد، لكن الخطأ حين يقع من العامي يكون أخف من وقوعه من غيره، ولا شك أن للمقولة المشهورة "حسنات الأبرار سيئات المقربين" في هذا المقام نوع صدق؛ وعلى كل فلا بد من الأخذ بمنهج التيسير مهما كان خاصة مع العوام والجهلة والمجتمعات التي لم تكن ملتزمة بالإسلام كليا حتى تعود إليه بشكل متدرج فلا تنفر منه نفرة كلية، وقد جاء هذا التحليل واضحا في رد عمر ابن عبد العزيز على ابنه عبد الملك حين سأله: "يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل ؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني إنما أروض الناس رياضة الصعب، وإني لا أريد أن أحيي الأمور من العدل، فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه. وقال عمر: ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً"، فلا بد إذن من الرفق بالناس وعدم تنفيرهم من الحق، وهذا منهج نبوي أصيل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي للمؤلفة قلوبهم "عطاء من لا يخاف الفقر" وما هم بمسلمين، ولكنه أراد أن ينبههم إلى أن الإسلام لا يريد بانتصاره مضايقتهم في أقواتهم، ولا مصادرة حرياتهم، وإنما يريد العدل والقسط وإقامة الحق... وهذا واضح أيضا في إعلانه حين فتح مكة لأهل مكة أن "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
3- هو سماكم المسلمين:ومن الضرائب اللازم دفعها من طرف الصفوة المنتقاة المختارة الشعور والتعامل بعد ذلك وفق ضابط المساواة مع الإخوان في الدين، وعدم المن على إخوننا دعوتنا لهم، وإرشادنا إياهم إلى الخير قدوتنا في ذلك صفوة الله من خلقه الذين كانوا يقولون: "وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين" وخاتمهم عليه الصلاة والسلام كان يقول: ".. ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين"، وبكت مكذبوه بكونه لا يسألهم عليه أجرا في قول الله تعالى: "أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون؟؟" لذلك على حملة النور إلى الناس من الصفوة المختارة أن لا يمنوا ما وفقهم الله له على الناس، فعدم المن أدعى للقبول، وأقرب إلى منهاج الحق...
وأكثر من عدم المن لا بد كما قيل قبل من إشعار الآخرين بمساواتهم لنا، "هو سماكم المسلمين" ومعاملتهم بما يترتب على عقد الإيمان من أخوة في الله وتعاون على البر والتقوى، واحترام، وترفع عن الغيبة والنميمة ورؤية الفضل عليهم، وظن السوء بهم... فكل ذلك محرم شرعا، ومرفوض في أعراف الدعاة، وهذا لا يعني أن يكون الداعية ساذجا لا يتصور في الناس إلا الخير حتى يخدعوه؛ فالناس مهما كانوا "كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة" [البخاري] لذلك لا بد من الانتباه إلى معدنية الناس واختلاف مواهبهم ومستوياتهم واختلاف تقبلهم للحق من مستميت فيه أشرب قلبه الحق إلى منافق داخل الصف المؤمن، وكل ذلك مستور بستر الله، وليس على الداعية تنقيب القلوب، وإنما عليه حسن الظن بالناس مع تمام الحذر منهم حتى لا يخدعوه، والتوازن بين الحذر وحسن الظن ضريبة كبيرة لا يوفق لها إلا من اختاره الله لذلك وعلم صدق نيته وإخلاصه.
4- وافعلوا الخير:وهذا سر من أسرار القيادة، أطلع الله عليه صفوته من الأمم في كتابه، ففعل الخير مفتاح كبير من مفاتيح القلوب، وسر عظيم من أسرار التربية والقيادة، وضريبة كبيرة عند الله وعند الناس يجب على الصفوة المختارة أن تدفعها، والخير معروف، ومجاله عام، فكل ما يدخل في باب "الخير" مندرج تحت هذا الأمر الإلهي، إلا أن من أهم الخير الذي يبذل للناس هو المال، فلا بد للصفوة المختارة أن تبذل أموالها للمجتمع الذي تدعوه إلى الخير، فلا يمكن أن تكون الصفوة محتكِرة، ولا يمكن أن تكون بخيلة، وقد تقدم معنا بعض من بذل النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم، ولا بد من التذكير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان "أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" [البخاري]، كما أن من فعل الخير في الناس بعد بذل المال لهم، البسمة والبشاشة في وجوههم، وهي من فعل الخير إذ "تبسمك في وجه أخيك صدقة" [الأدب المفرد للبخاري]، والبشاشة في وجه من تلاقي خلق عظيم من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج مالك في الموطأ "انه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم انها قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت عائشة وأنا معه في البيت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بئس بن العشيرة ثم أذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت عائشة فلم انشب ان سمعت ضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم معه فلما خرج الرجل قلت يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب ان ضحكت معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان من شر الناس من أتقاه الناس لشره"، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبش حتى في وجوه من يبغضهم ويمقتهم ليس لصفة إيجابية فيهم وإنما لأنه لا يجمع الأعداء على نفسه، فهمه أن يحصر أعدائه في أعداء الله لا غير، حتى يستعين بكل من لا يقف في وجهه صراحة على ما هو بصدده من نشر الحق، أو يحيده عن إطار المعركة بين الحق والباطل على الأقل.
وعلى كل حال ففعل الخير باب واسع متعدد الأبعاد جماع ما فيه يعود إلى أن تنفع من استطعت نفعه بما استطعت.. "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" [صحيح مسلم] فإن لم تنفع فـ: "كف أذاك عن الناس فإنها صدقة تصدق بها عن نفسك" [مسند أحمد]، وما أظن الداعية الذي اختاره الله لأن يكون من الصفوة المختارة إلا من السابقين إلى نفع الناس وبذل معروفه فيهم، مع كفه لأذاه عنهم حتى لا يكون سلبيا دوره كف الأذى فقط...
خاتمة:
هذه إذن بعض من ضرائب الاصطفاء.. وإن لم تحصِ، وتلك بعض القبسات من كتاب الله، وسيرة خيرته وصفوته من خلقه، وأقوال لبعض الصالحين المصلحين السابقين... وتبقى رقابة الداعية المسلم على نفسه {بل الإنسان على نفسه بصيرة}، ورقابة الملائكة عليه {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، ورقابة جوارحه عليه {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}، ورقابة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه "تعرض علي أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله ، وما كان من سيء استغفرت الله لكم" [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة]، {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} ورقابة الناس عليه: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض" [سنن النسائي الكبرى]، وقبل ذلك كله رقابة الله الذي لا تخفى عليه خافية {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} {ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} تبقى رقابة الداعية على نفسه، واستشعاره لهذه الرقابات دافعا إياه إلا مزيد من الإحسان في العمل والمسارعة إلى المغفرة والجنة، والمسابقة إلى الخيرات... والله يوفق ويهدي إلى سواء الصراط، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.