أي باب للخير تريد أن تدخل به الجنة؟

أحد, 03/26/2017 - 17:46
الشيخ حامد العطار

فتح الكريم عز وجل أبواب عديدةللخير أمام الناس، ولم يجعلها قاصرة على بذل المال وحده، فليس للجميعالقدرة على العطاء والتصدق بالمال، كما أن احتياجات الناس مختلفة، فقد تكونحياة إنسان متوقفة على التبرع بالدم، ولن تنقذه وقتها أموال الدنياوكنوزها!

ومن الحكمة الإلهية أن اللهتعالى نوَّع في أرزاق العباد، ولم يعطهم جميعا نفس المقومات الحياتية،كالمال والعلم والصحة والحكمة،.. إلخ. وفي المقابل جعل عباد الله في حاجةلبعضهم البعض، ونوَّع في احتياجاتهم، ليتلاحم البشر في أخذٍ وعطاءٍ متبادل
يقول تعالى في سورة الحج: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوارَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".. وهنا يبرزهنا سؤال مهم: هل بعد الإيمان والركوع والسجود وعبادة الله من خير يؤمربه؟.. فأي خير هذا بعد كل هذه العبادات؟
وتدلهذه الآية بوضوح على أن ميادين الخير ومجالاته كثيرة متشعبة، فإن الركوعوالسجود وسائر العبادات إنما تنفع صاحبها فقط بأن تضع رجله على طريق الجنة،ولكن الناس لا ينتفعون بصيام الصائم ولا بصلاة المصلي، ولا بذكر الذاكرولا بقيام القائم؛ ولذلك أمر الله المؤمنين بأن يفعلوا الخير، وأن يقولواللناس حسنا، وأن يمسكوا أذاهم عن الناس، فهذا هو ما ينفعهم ويفيدهم.
النفع العام
يقول الإمام الشافعي في سورة العصر: "لو لم ينزل غيرها من القرآن لكفى".. وإذا قرأت آياتها لاستشعرت دلالاتقول الشافعي: "إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آَمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ * وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْابِالصَّبْرِ".
إذ ذكر الله فيالسورة أربع صفات، اثنتان منها تنفع العبد وتصلحه (الإيمان، والعمل الصالح) واثنتان يصلح بهما المجتمع من حوله: (التواصي بالحق، والتواصي بالصبر).. وحتى العمل الصالح نفسه فإن منه ما يتعدى نفعه لعموم الناس.
ومنزلةفعل الخير في الإسلام عظيمة، فحسبك أن تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "خير الناس أنفعهم للناس". فليس خير الناس أكثرهم صلاة، ولا أطولهمقياما، ولا أشدهم ذكرا، وإن كان هؤلاء كلهم خيارا، ولكن خيرهم أنفعهمللناس!!
وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله-: وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللهاونحلها، على أن التقرب إلى رب العالمين والبر والإحسان إلى خلقه، من أعظمالأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فمااستجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمه بمثل طاعته، والإحسان إلى خلقه.
مجالات الخير
وفعلالخير في الإسلام ليس مقصورا على بذل المال؛ لأن المال وحده لا يصنع كلشيء، ولأن المال لا يجده كل أحد. ومن هنا تعددت مجالات الخير، واتسعت لتشملكل نفع للناس، وكانت هذه المنافع والخدمات صدقة في شريعة الإسلام، يقولرسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. وكل معروف صدقة".
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبينا صدقات كثيرة لا علاقة لها بالمال: "على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه من أبوابالصدقة: التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله واستغفر الله،ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس والعظموالحجر، وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجةله قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدةذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك...".
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"..... وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربةأو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي منأن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أنيمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتىيقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام".
المسلم لا يعدم الخير
والمسلمدائم النفع، إن لم يكن ذا مال دل الفقير على الغني، وسعى بينهما، وإن لميكن عنده وقت للسعي دل جمعية خيرية ونحوها على الأغنياء والفقراء لتنوبعنه؛ ولذلك شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخلة، فإنها نافعة دائما،فثمرها طعام، وفروعها ظلال، ويالها من شجرة تجود بنفسها وقودا للناس يومتموت.
ثم أن السعي فيما ينفع الناسمن أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، فقد روى البيهقي عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله، قلت: يارسول الله إن مع الإيمان عملاً، قال: يرضخ مما رزقه الله. قلت: يا رسولالله أرأيت إن كان فقيرا، لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف، وينهى عنالمنكر.قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟قال: يصنع لأخرق - وهو الجاهل الذي لا صنعة له يتكسب منها - قلت: أرأيت إنكان أخرقا، لا يستطيع أن يصنع شيئا؟ قال: يعين مظلوما، قلت: أرأيت إن كانضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؛ليمسك أذاه عن الناس، فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: مامن مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال، إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة".
مشروعات للخير
ولمن أغلقت أمامهم أبواب الصدقات المادية، فيمكنهم طرق أبواب أخرى من كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدين النصيحة". وقد استنبط الشيخ محمد صالح المنجد من هذا الحديث هذه المشروعات:
§ إرشاد الناس لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم.
§ تعليمهم ما يحتاجون من أمر دينهم ودنياهم.
§ ستر عوراتهم وسد خلتهم.
§ دفع المضرة عنهم.
§ جلب المنفعة لهم.
§ توقير كبيرهم ورحمة صغيرهم.
§ تخولهم بالموعظة.
§ ترك غشهم.
§ محبة الخير لهم.
§ الذب عن أموالهم وحماية أعراضهم.. وهكذا كل أنواع النصيحة