كتاب ربي.. كلام ربي

أحد, 03/26/2017 - 17:30
زينب بنت عابدين

أحيانا تضيع موارد ربح على المتاجرين ممن يبتغون لتجارتهم الرواج ولأرباحهم الزيادة حينما توزن الأشياء بموازين مختلة فتضيع فرصة ربح على مرابح ظل يسعى لاقتناصها، غير أن لحظة عجلة خاطفة تفوت عليه تلك الفرصة، وتسلبه نشوة ذلك الربح، رغم تميز بضاعته بإجماع أهل الذوق والفهم، فهل إلى تعويض من سبيل؟.

هدى وأجر
 إن ميزة هذا الدين الميمون أنه دين خلود أراد له الله أن يبقى ما بقيت في هذا الكون حياة، فأنزله في كتاب من عنده، وتعهد سبحانه بحفظ هذا الكتاب (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)،
 ثم كتب الحفظ والأمان لمن تمسك به وبمورده الخصيب فلم يقبل به بديلا، ولم يعط فيه روية، ولم يرض غيره دينا ومنهجا، ولم يصده عنه صاد، ولم يشغله عنه شاغل. ولأن رب العالمين جل في علاه هو أكرم الأكرمين أعد لعباده المؤمنين الجزاء الحسن وأعطاهم بدل العطاء عطائين وبدل المنحة منحتين، فجمع لهم بهذا النهج هدى وأجرا. أفلا نقبل من ربنا عطاءه؟ إنا إذن لمحرومون، أنفرط في منحته؟ إنا إذن لمفرطون.
تذكرة لمن وعى
 غير أن تلك الهبة المضاعفة لا تقدر إلا لمن أدرك ووعى، فما كان لمن يريد الربح أن يمر بسوقه لماما ثم يرجي لنفسه ربحا وفوزا، وما كان لمن يريد ما عند الله أن يبتعد عما أنزل الله من الوحي المبارك القويم الهادي فيعجل عن تدبره أو يغفل عن معانيه فتشغله نفسه فيضيع عليه المعنى فتفوته الذكرى، إن وقفة الذكرى لا تحصل إلا لمن تبتل بمحراب قرآنه فوقف بالحروف مدبرا وقام بالكلمات مرددا، وأبحر في معانيه غير غافل ولا مستعجل، وأبى لنوازعه أن تنازعه تلك اللحظات التعبدية الزاخرة بالأنس، حتى لا تفسد عليه تلك المهمة العظيمة، فعندئذ تحصل الذكرى ويدلف بها المرء إلى قائمة معشر الخشية {سيذكر من يخشى}، وحين تتحقق للعبد تذكرة وخشية بين يدي قرآن ربه فلا تسل عن الأجر إنه لوافر مقدور بإذن الله.
أجر بعدد الحروف
 يلخص حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة الأجر المضاعف جزاء من رب العالمين، حيث روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وإذا تأملنا في تلك الصفقة المعقودة بين رب العالمين جل في علاه وقارئ القرآن نجد أن أسهم الربح في كتاب الله تتراوح بين الثلاثة والثلاثين حسنة في (ألم) وحدها، وخلال فرصة قراءة واحدة، ولك أن تقيس على ذلك في سائر حروفه وكلماته وجمله ومقاطعه وآياته...، وتتفاوت نسب الربح تبعا لتفاوت القارئ المرابح، فالقارئ الجواد المرابط بمحراب مصحفه أوفر حظا وأكثر ربحا من أخيه الزائر الذي يزور مصحفه بين الحين والآخر، وفي كل خير.
أنس ونكهة
 إنه أنس عبر عنه عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه في لحظة وعي ووصال مع كتاب الله، حينما كان يقف مع القرآن في غير عجلة ولا غفلة فيضع المصحف على وجهه ويقبَّله ويقول: "كلام ربي.. كتاب ربي.."..حتى يُغشى عليه من تعظيمه له، فأذاقه الله به الأنس، ومن يذق نكهة القرآن لم يخش على نفسه غفلة ولا غلطة، إن أولئك قد رابطوا عند صفحات مصاحفهم حتى ائتلفت منهم بالقرآن أرواح وألسنة وقلوب، فلا زالوا به مستأنسين عليه عاكفين له مستحضرين إلى حروفه وكلماته ومعانيه مشتاقين، لا يملون ترداده ولا يفترون عن تدارسه، وأقعد غيرهم عن تلك الألفة وذلك الأنس وهن في النفس وجفاء وعجلة ، فنفرت منهم مصاحفهم نفورهم مما بداخلها، فأبدلوا أنسا بوحشة "تلك صفقة مفلس".