مَوَاكِبُ الْعُظَمَاءْ

أحد, 03/26/2017 - 15:08
الأستاذ سيد محمد ولد الصغير

مع كلِّ إشراقة شمس، ومع كلِّ غروب، يرحل الآلاف من سكان الأرض باتجاه العالم الآخر دون أن يَرِفَّ للكون جفْن أو تَكفًّ الأرض عن الدَّورانِ طرفة عين؛ حزنا على أبنائها الراحلين، أو حُنوّاً على حفدتها المكلومين، غيْر أنها في دورانها الدائب ذاك لا تغفل عن هموم ذراريها المفجوعين، حيث تباشر "الإنْساءَ" وتفْتَنُّ في الإلهاء.

وما هو إلا جزء – وقْتِيٌّ- لا يذكر من هَبَاءةٍ تائهة لا تدركها العين في مقياس الزمن حتى يَسْلـُوَ المصابون ويَطويَ النسيان الراحلين، فتُمحى أسماؤهم من صفحات الوجود، ولا يبقى لهم ذكر خارج صحف الغيب.

وأولئك هم عموم سكان الأرض خلال حقبها وآمادها المتطاولة من جميع الأمم والشعوب والأجناس..
 لكنَّ ثُلَّة متناهية القلة من مجموع سُكَّان الأرض هم من يقاومون الزمن، وتستعصي أعمارهم على النفاد، وإن توقف نشاطهم اليومي على الكوكب الصغير، إذ يرحلون عن حيز مكاني ضيق، فيتَمَدَّدون بأرجاء الأرض، وظرف زماني محدود، فيُعمَّرون القرون!

ثم يتوطنون قلوب الملايين، ويسكنون ألسنةَ العباد، فتَدْوي الأرض بذكرهم العاطر آناء الليل وأطراف النهار، وترحل إليهم دعوات البشر وثناء الخلائق مع كل إشراق، أو مغيب..
 وأولئك هم العظماء من عباد الله الذين جعلوا من أوقاتهم المحدودة مجرد بذور وضعوها حيث ينبغي أن تكون؛ فأذن الله لها بالانزراع؛ فحصدوها أعمارا متطاولة وثناء لا يتوقف، ومجدا يتوارثه الأبناء، وهدْيًا يتنامى – أحيانا- وأنوارا تتجدد، وأعمالا صالحة تواصل العروج إليهم في العالم الرفيع و(من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه).

فهم ملح الأرض وخيرة البشر، وقدوة الأنام، ومرايا المُثـُل، ومُتَجَسَّد القيم وحجة الله على الناس..
 وهم مواكب تشق الوجود في رحلة دائبة إلى الله منذ بدء الخليقة، فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والعلماء والعباد، والزهاد والمنفقون، والرؤساء والقواد، والفلاسفة والكتاب والأدباء، وفيهم الرجال والنساء، (والأطفال)، وفيهم الآباء والأمهات، والمتزوجون، والعزاب، وأرباب الملكات والمواهب والصناعات، من مختلف الأمم والشعوب والأجناس والأديان.
هم صناع الحضارة، وكتبة التاريخ، وسفراء الأمجاد، ورائدو النهوض، وأطباء علل الأرض.
 كلما اتسع نطاق تأثيرهم ارتفعت قيمة الحياة، وعلا شأن الإنسان، وكلما انزووا في أركان الوجود أو دِيسوا تحت نقع السفهاء اضمحلت الحياة وذبل الوجود، وتضاءلت قيمة البشر، وضل الناس طريق النجاة!.

يؤلف بينهم معنى مشترك وميزان عادل، على اختلاف مللهم ونحللهم وأدوارهم في الحياة، ويبقى الأهم هو ميزان العدل المطلق الذي تضمنه القرآن (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) الشورى: 20
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).