حتى لا يضيع منا رمضان

أحد, 03/26/2017 - 14:27
إخليهن ولد الرجل

من حكمة الله سبحانه وتعالى ومن لطفه بعباده أن فتح لهم مواسم للخير وجعلها فرصة للتزود والتطهر من أدران الذنوب... فجعل يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع وجعل "فيه ساعة لا يوافقها عبد يدعوا الله شيئا إلا استجيب له"، وجعل الثالث الأخير من الليل فرصة لتقبل التوبة ومغفرة الذنوب وإجابة الدعوات، وجعل شهر رمضان موسما للخير تضاعف فيه الحسنات وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه النار، وجعل العشر الأخيرة من رمضان هي غرره وأفضل لياليه وجعل فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

فشهر رمضان موسم خير وفرصة مهمة للتزود من الطاعات والتطهر من المعاصي، والتقرب إلى الله والوقوف ببابه المفتوحة الواسعة الفناء.
وَأَفنِيَةُ المُلوكِ مُحَجَّــــباتٌ ** وَبابُ اللَهِ مَبـــــذولُ الفِناءِ
وَلِم لا أَشتَكي بَثّي وَحُزني ** إِلى مَن لا يَصَمُّ عَنِ النِداءِ
 والمحروم حقا من حرم من الخير في هذا الشهر المبارك، وألهته عنه الملهيات وصرفته عنه الصوارف، وفات عليه الشهر وهو أسير التسويف يقدم رجلا ويؤخر أخرى... مرة يغريه برنامج تلفزيوني ويشغله عن تلاوة القرآن أو عن صلاة التراويح، ومرة يتذكر لذة النوم وهناءه فيتمادى فتفوته صلاة الجماعة ... !
 وأشد منه حرمانا وشقاء من يجعل رمضان موسا لتعاطي المحرمات وتضييع الصلوات، والسهر على اللهو والعبث والمجون ... !

رمضان فرصة للتزود
 وكان الأولى لهذا وذك أن يستحضرا أن شهر رمضان شهر فضله الله على سائر الشهور وجعله موسما للخير تغفر فيه الذنوب وتضاعف فيه الحسنات، فهو أثمن من أيمر على رهط المؤمنين وهم في غفلة ساهون دون يروا الله منهم اقبالا على الخير وإعراضا عن الشر، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين". وفي رواية الترمذي "وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة".

هكذا بصيغة المبالغة "فُتِّحَتْ أبواب الجنة"... وهو معنى يوحي بأن الطريق إلى الجنة فى رمضان طريق سهل ميسور.. فأبواب الجنة مفتحة أمام العشاق والراغبين.
 فقط يتطلب الأمر جهدا يسيرا من الاقبال على الله، صياما للنهار وقياما لليل وتلاوة للقرآن وتضرعا في الدعاء آناء الليل وأطرف النهار وإكثارا من الصدقة وعمارة بيوت الله... ولم لا والشياطين التي من عملها أن توسوس للإنسان وتقعده عن الحق قد صفدت ووضعت فيها السلاسل والأغلال.

خطوات عملية
 ومن أجل استثمار رمضان استثمارا إيجابيا يحقق مرضاة الله والفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة، يلزم أن نراعي الخطوات التالية:

- أولا : إحسان الصيام : فهو فريضة الشهر الكبرى "فمن شهد منكم الشهر فاليصمه"، وقد ورد في الحديث عند البخاري "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
 وليس كل صيام تلزم منه مغفرة الذنوب، فقد يصوم المرء وليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، كما ورد في صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "رب صائم حظه من صيامه الجوع و العطش".
 ولذلك قسم الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله الصوم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول : هو صيام العوام : وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع فقط دون تجنب المعاصي، وهذا هو الحد الذي تبرأ به الذمة وقد لا يثاب صاحبه كما ورد في الحديث عند البخاري وأبي داود "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، والنوع الثاني هو صيام الخواص : وهو ترك الأكل والشرب وتجنب المعاصي والآثام، والنوع الثالث : صيام خواص الخواص : هو أن يصوم القلب والجوارح معا، فتصوم الجوارح عن المفطرات وعن المعاصي، ويصوم القلب عن الخواطر السيئة وعن مراعاة ما سوى الله، وهذا هو أكمل أنواع الصيام وأتمها.

- ثانيا : إجادة القيام : ويحصل ذلك بالمواظبة على صلاة التراويح ولمن أراد أن يزيد عليها فلا حرج، وقد ورد في الحديث عند البخاري "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
 على أن المهم هنا هو التؤدة والخشوع في أثناء القيام وتدبر ما يتلى فيه من آيات الله، وإلا فإن القيام الذي لا يحضر فيه إلا الجسم ويسابق صاحبه الزمن ليفرغ منه قد يكون حظ صاحبه منه هو التعب، كما ورد في الحديث عند ابن خزيمة "ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب".

- ثالثا : الحرص على أداء الرواتب : فهي مكملة للفريضة ومجملة لها، وسبب محبة لله عز وجل للعبد، وفي الحديث "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" (رواه البخاري).

- رابعا : تعاهد القرآن : فهذا شهره وظرف تنزله "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"، ويستحسن أن يختم القرآن أكثر من مرة، على أن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب تدبر المعنى.

- خامسا : الإكثار من الدعاء : فـللصائم دعوة لا ترد، وفي الحديث " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حين يفطر ، ودعوة المظلوم" (رواه الترمذي)
و"الدعاء هو مخ العبادة" كما في الحديث، وفي التنزيل "قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم".
 فكن ملحاحاً في دعائك، راجياً عفو ربك، طالباً مغفرته، راغباً في جنته ونعيمه، طامعاً في عطائه.

- سادسا : الصدقة وبذل المعروف : فهذا شهر الخير وشهر البذل، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود فيه من الريح المرسلة، ومن أعظم أنواع الخير في هذا الشهر هو تفطير الصائم، فقد ورد في الحديث " من فطَّر صائما كان له مثلُ أجره، غيرَ أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا" (رواه الترمذي).

- سابعا : متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام : فقد كان يحب تعجيل الفطور، ويقول : "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطور"(رواه البخاري)، وكان يفطر على تمرات فإن لم يجد فعلى رطبات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وكان يحب تأخير السحور، ويقول : "تسحروا فإن في السحور بركة" (متفق عليه).
ومن بركات السحور أنه بالاضافة إلى الوجبة الغذائية التي تعين المؤمن على صيامه أن وقته وقت قبول التوبة وإجابة الدعوة، وعسى المستغفر فيه أن يكون من "المستغفرين بالأسحار".

أعجبني