حاجتنا إلى الرجال

جمعة, 03/24/2017 - 16:04
الشيخ يوسف القرضاوي

في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

رحم الله عمر الملهم، لقد كان خبيراً بما تقوم به الحضارات الحقة، وتنهض به الرسالات الكبيرة، وتحيا به الأمم الهامدة.

إن الأمم والرسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها والعزائم القوية التي تنفذها: إنها تحتاج إلى الرجال.

الرجل أعز من كل معدن نفيس، وأغلى من كل جوهر ثمين، ولذلك كان وجوده عزيزاً في دنيا الناس، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنها الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ).

الرجل الكفء الصالح هو إكسير الحياة، وروح النهضات، وعماد الرسالات ومحور الإصلاح.

أعدّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة، فلن تقتل الأسلحة إلا بالرجل المحارب، صغ ما شئت من القوانين واللوائح، فستظل حبراً على ورق ما لم تجد الرجل الذي ينفذها، وضع ما شئت من مناهج للتعليم والتربية فلن يغنى المنهج إلا بالرجل الذي يقوم بتدريسه، وأنشئ ما شئت من لجان فلن تنجز مشروعاً إذا حُرمت الرجل الغيور!!
 ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.

إن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والعدل ليس في نص القانون بقدر ما هو في ضمير القاضي والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح العلم، وإنجاز المشروعات ليس في تكوين اللجان بقدر ما هو في حماسة القائمين عليها.

فالله ما أحكم عمر حين لم يتمن فضة ولا ذهباً، ولا لؤلؤاً ولا جوهراً، ولكنه تمنى رجالاً من الطراز الممتاز الذين تتفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.

إن رجلاً واحداً قد يساوي مائة، ورجلاً قد يوازي ألفاً، ورجلاً قد يزن شعباً بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.

حاصر خالد ( الحيرة ) فطلب من أبى بكر مدداً، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمر التميمي وقال: لا يهزم جيش فيه مثله، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل!

واستمد عمرو بن العاص - وهو في مصر - عمر بن الخطاب فبعث إليه بأربعة آلاف، على رأسهم أربعة من رجالات الإسلام، عد كل واحد منهم بألف رجل.

ولكن ما الرجل الذي نريد؟ هل هو كل من طَرَّ شاربه، ونبتت لحيته من بني الإنسان؟ إذن فما أكثر الرجال!! إن الرجولة ليست بالسن المتقدمة، فكم من شيخ في سن السبعين وقلبه في سن السابعة، يفرح بالتافه، ويبكي على الحقير، ويتطلع إلى ما ليس له، ويقبض على ما في يده قبض الشحيح حتى لا يشركه غيره، فهو طفل صغير .. ولكنه ذو لحية وشارب.

وكم من غلام في مقتبل العمر، ولكنك ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه.

مر عمر على ثلة من الصبيان يلعبون فهرولوا، وبقي صبي مفرد في مكانه، هو عبد الله بن الزير، فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعد مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أقترف ذنباً فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسعها لك!
 ودخل غلام عربي على خليفة أموي يتحدث باسم قومه، فقال له: ليتقدم من هو أسن منك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة.

أولئك لعمري هم الصغار الكبار، وفي ديانا ما أكثر الكبار الصغار؟؟

وليست الرجولة ببسطة الجسم، وطول القامة، وقوة البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم )(المنافقون: 4) ومع هذا فهم ( كأنهم خشب مسندة، يحسبون كل صيحة عليهم)(المنافقون: 4) وفي الحديث الصحيح: ( يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة )، اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً )(الكهف: 105).

كان عبد الله بن مسعود نحيفاً نحيلاً، فانكشفت ساقاه يوماً - وهما دقيقتان هزيلتان - فضحك بعض الصحابة: فقال الرسول: أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد.

ليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفسافها، قوة تجعله كبيراً في صغره، غنياً في فقره، قوياً في ضعفه، قوة تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه: واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته ودينه وأمته.

الرجولة بإيجاز هي قوة الخلق وخلق القوة.

إن خير ما تقوم به دولة لشعبها، وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي، وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من صحافة وإذاعة، ومسرح وخيالة، ومسجد ومدرسة، هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.

ولن تترعرع الرجولة الفارعة، ويتربى الرجال الصالحون، إلا في ظلال العقائد الراسخة، والفضائل الثابتة، والمعايير الأصيلة، والتقاليد المرعية، والحقوق المكفولة. أما في ظلام الشك المحطم، والإلحاد الكافر والانحلال السافر، والحرمان القاتل، فلن توجد رجولة صحيحة، كما لا ينمو الغرس إذا حرم الماء والهواء والضياء.

ولم تر الدنيا الرجولة في أجلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع لا يغريهم الوعد ولا يلينهم الوعيد، لا يغرهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة.
من الرجال المصابيح الذين همو** كأنهم من نجوم حية صنعوا
 أخلاقهم نورهم، من أي ناحية** أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا

أما اليوم، وقد أفسد الاستعمار جو المسلمين بغازاته السامة الخانقة من إلحاد وإباحية، فقلما ترى إلا أشباه الرجال، ولا رجال.

أعجبتني وآلمتني كلمة لرجل درس تعاليم الإسلام السمحة الشاملة فقال في إعجاب مرير: " يا له من دين لو كان له رجال "!!

وهذا الدين الذي يشكو قلة الرجال يضم خمسمائة مليون من المسلمين، ينتسبون إليه، ويحسبون عليه، ولكنهم - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " غثاء كغثاء السيل " أو كما قال الشاعر:
 يثقلون الأرض من كثرتهم** ثم لا يغنون في أمر جلل

وماذا يغني عن الإسلام رجال أهمتهم أنفسهم، وحكمتهم شهواتهم، وسيرتهم مصالحهم. رجال يعتقدون أن شعوبهم مجموعة من الأصفار لا يصلحون إلا أتباعاً، ولا يحيون إلا أذناباً، فلا وثقوا بأنفسهم، ولا اعتمدوا على ربهم. رجال يجمعهم الطمع، ويفرقهم الخوف، أو كما قيل: يجمعهم مزمار وتفرقهم عصا! رجال كأنهم صنعوا من زجاج، فلا يستر عورة، ولا يتحمل رمية حصاة؟

أما والله لو ظفر الإسلام في كل ألف من أبنائه برجل واحد فيه خصائص الرجولة، لكان ذلك خيراً له وأجدى عليه من هذه الجماهير المكدسة التي لا يهابها عدو، ولا ينتصر بها صديق:

فليت لي بهمو قوماً إذا ركبوا** شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
 لا يسألون أخاهم حين يندبهم** في النائبات على ما قال برهانا

نقلا عن كتاب من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا