سياحة الرواحل

جمعة, 03/24/2017 - 15:56
الأستاذ محمد الحافظ بن الغابد

السياحة ضرب في الأرض وإعمال لعصا التِّسْيَار بحثا عن طارف يَسْتَجِد أو تليد تلفه أحداث الزمان في ركن قصي، وقد حث القرآن على السير في الأرض والاعتبار في الحياة الآنية بحال الماضين وما لحق بهم من تبدل الحال وعقبى المآل.

والرواحل البهاليل أفذاذ تسلم إليهم الحياة سرها المكين فيغرسون أياديهم في وحل التحديات والمشكلات ثم ينبلج الفجر على أيديهم إبداعا وعطاء منوعا ينزل كالغيث فيحي الله به الأرض بعد الموات سنة ماضية ما تعاقب الجديدان.

أولا : الرواحل.. يقينو رؤية

وسياحة الرواحل معنى مجازي لبس من الاستعارة النبوية ثوبا قشيبا وامتلأ من عبق المصطلحات التربوية التي أخرجها فقه الدعوة المعاصر مؤصلا لنموذج من القيادة الإسلامية يجدد السمت الأول ويصل ما انقطع من تجارب أسلاف الأمة الصالحة وأخيار كل جيل كما أشار الأثر "يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغاليين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

وسياحة الرواحل ضرب من الابتلاء بالمنح والمحن عرفته الدعوة الإسلامية المعاصرة في أجيال متنوعة ولا تزال سنته ماضية في الحركات والجماعات الإسلامية ونحن نرى فيه أثر الحكمة الربانية بارزا فالمقادير بيد ربنا يصرفها كيف يشاء ونحن نؤمن ونستسلم لقدره مع أننا ندفع القدر بالقدر تكليفا ربانيا ماضيا في ديننا شرعة وقدرا.

وعندما نتأمل محن الحركة الإسلامية المعاصرة في مصر في الخمسينيات نلاحظ كيف أخرجت الحملات الناصرية عشرات الدعاة من ضيق حوض النيل إلى سعة الجزيرة العربية وساكنتها ومالها الوفير، ليساهم دعاة الإسلام في بناء نهضة علمية وفكرية حضارية في تلك البلدان ولينظروا إلى الحياة من منظار أرحب من مجرد معالجة هم دعوي محلي أو مشروع سياسي محاط بالإكراه الواقعي الذي لا يتركه يجاوز عنق الزجاجة.

كما نلاحظ أن تحولات الزمان وتعاقب المحن والمنح قاد تلك النخب إلى إقامة صروح للمعرفة والثقافة في بلدان المهجر كما كان في طيات تلك المحن بناء المؤسسات المصرفية الإسلامية التي جسرت ما انقطع من تجارب الاقتصاد المحكوم برؤية الإسلام وفقه الشريعة ومن رحم تلك التجارب ولدت البنوك والمصارف الإسلامية التي تشكل اليوم خيارا عالميا قادرا على تقديم النماذج والوصفات العلاجية الناجعة للأزمات المالية العالمية وأثر المقدور الرباني يبرز العناية الإلهية وحجم اللطف الذي أحاط الدعوة ببركة استعلائها المبدئي عندما رفضت أن تكون أداة بيد الطاغية وهي التي مهدت الطريق للثورة فتنكرت للجماعة النصوح التي مدت يدها بالإحسان فقوبلت بالإساءة ممن آثر العاجلة على الباقية.

والملمح الثالث تمثل في بناء نموذج إنساني جديد من العمل الإغاثي والإنساني كان له دور بارز في مقاومة جهود التنصير والتغريب في ديار الإسلام وأسس لنموذج إيجابي في مقاومة الفساد الذي ينشره الغرب في العالم الإسلامي، والمال الخليجي ما كان ليؤثر في مقاومة التنصير والتغريب ما لم تسنده خطط الحركة الإسلامية والأيادي النظيفة للدعاة الصادقين.

إن هذه الجوانب الثلاثة هي التي شكلت معالم رئيسية في نهضة الصحوة الإسلامية التي نشرت النور والعرفان من جديد في العالم الإسلامي وساحت بها كتائب الرواحل في الأرض تبني وتعمر حتى أسلمنا أداء الأجيال لتأثيرات الربيع العربي الذي نعتبره طورا جديدا من أطوار النهضة تتمكن به الدعوة بعد ما أنحبس رواحلها في المعتقلات وتشردوا في المهاجر الأوربية يكسبون الخبرة وتؤسس بهم يد القدرة الخفية ما هو مخبوء من السر المودع فيهم عطاء وإبداعا وتجديدا للدور السياسي والحضاري للأمة، يغيب الشهيد منهم ويعيش الحي وقد اقتبس من قوله تعالى: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".

إن التمكين بعد الابتلاء سنة ماضية في حياة الدعوات قال سبحانه :"ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".وقد حدثنا بعض من قضى خمسة عشر عاما في السجون التونسية بخبر الرؤيا التي كان يتسلى بها في ليل السجون الطويل فقد رأي أحد المجاهدين في أفغانستان أنه رأي رفيقه الذي استشهد فقال له:" إن النهضة تعصر ثم تعصر ثم تعصر ثم تنصر"، وكان الشيخ يمر على السجناء كل ليلة يذكرهم ويثبت أفئدتهم بهذه الرؤيا المبشرة بالنصر، والسجناء في محنتهم يقاسون "العصرات الثلاث"، وبعد حين جاء الفرج وتحقق الموعود الذي بشر به القرآن "وعدالله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا"، وقوله:" "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كنوا يحذرون"، وكانت منشورات النهضة منذ الثمانينيات تدندن حول هذه المعاني، يقول الشيخ راشد معلقا : لقد كانت هذه الآية مفتاحا ودواء ونورا إذ أعطتنا هديا إسلاميا في قضية الصراع الاجتماعي فالإسلام يعترف بوجود صراع بين مستضعفين ومستكبرين والإسلام منحاز للمستضعفين بل هو ثورة لتحرير المستضعفين في العالم وما جاء الأنبياء إلا لنصرة المستضعفين على المستكبرين.(الغنوشي، من تجربة الحركة في تونس ص 62).

ثانيا : عدة الرواحل

1- المجاهدة:إن عدة الرواحل هي عدة إيمانية صرفة قال سبحانه وتعالى :"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" والجهاد كلمة عامة تنتظم أول ما تنتظم جهاد النفس والهوى، جهاد المروق والإلحاد، جهاد الترف والانغماس في الفسوق، جهاد الفقر والجهل والمرض لا أقول مرض الأجسام فقط ولكن مرض القلوب الذي هو أشد فتكا بالأمم من مرض الأجساد، مرض القلوب الذي يلقي بأصحابه في أحضان الأعداء للتوسل بهم إلى الأطماع الكاذبة "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة".

2- الصبر: والصبر أول القوى وأهم عدة يأخذ بها المجاهدون أنفسهم للحصول على أقصى درجات الخير والفلاح وقد جمع الله تلك القوى في آية قصيرة يجدر بكل مسلم أحرى القائد أن يجعلها شعاره وأن يكتبها في صفحة قلبه بحروف بارزة من النور::"يا أيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"، والنداء بوصف الإيمان في صدر الآية مشعر بعظمة التبعة والمقام .. وهو يرفع المخاطبين إلى مكانة العزة والكرامة .. ناداهم أن يتقلدوا هذه الأربع..درعا قوية تقيهم فشل الحياة وخسارتها وتضمن لهم عزها وفلاحها.

والصبر قوة إيجابية يكافح بها المؤمن عوامل الضعف وبها يواصل السير بخطوات واسعة قوية في إزالة ما يعترضه من عقبات وليس الصبر مجرد الإستكانة أمام المكاره والخضوع لقهرها وغلبتها .. بل الصبر مغالبة بالقضاء والقدر وبوسائل النصر وقد دلت السنن الاجتماعية والكونية أن المسببات طريقها الجد في الأسباب.(محمود شلتوت، من توجيهات الإسلام ص 224-225).

3- عطاء وإبداع: إن الرواحل هم ذخر الدعوة وقادتها وحيثما وجدوا يكون العطاء والإبداع في الأداء في داخل البلاد وخارجها وأنا سقت نموذج هجرات الدعاة من القطر المصري ليتضح بشكل لا لبس فيه أن إخواننا يمكن أن تتنوع مساهماتهم باختلاف تخصصاتهم واهتماماتهم فالتاجر والطالب والأستاذ لكل منهم دور إبداعي يحتاجه مجتمعنا ودعوتنا وبالتالي فالمطلوب أن نتذكر دائما أن الطالب يغرف من علوم الدنيا ليوظف ويستنبت علومه لاحقا سواء كانت إنسانية أو تقنية في خدمة الأمة، وهو ينوب عن طوائف من الأمة في نهوضه بفرض الكفاية "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم".

والتاجر يكسب ليستغني ويغني أهله وقريته ويتبرع بوقف علمي أو ديني، وسلوكه هذا السبيل إحياء لتجهيز عثمان جيش العسرة وتصدق الصديق بكل ماله وآخرون على ذات الطريق منهم من تصدق بالبعض والجزء حتى شق التمرة..

4- إستدراك : يبقى الاستدراك وتكميل النقص من معاني التوبة المطلوبة شرعا وعرفا وهو مطلب وزاد به تتجدد الروح وحياة الرواحل في مسارها المتعدد الأبعاد والعطاء فاحرص على تحديد نواقصك واستدرك ما فات بالتوبة والجدية واعلم أن اليسر مع العسر ولن يغلب عسر يسرين.

5- تعلم في كل طور: إن العلم هو نور الحياة ولا تستسلم للعجز والكسل وما يتولد عنهما من السأم والملل، ولكن حاول ففي المحاولة مراغمة للنفس الأمارة وعزم يقود إلى الإنجاز ولا يقف تكرار المحاولات بينك وبين التعلم وتطوير المهارات فكثير ممن نبغوا إنما نالوا بالعزيمة والإصرار واستأنسوا بأصحاب التجارب وسل نفسك بتذكر معاناتهم التي قادتهم إلى الإبداع والتميز.

6- آمن بالإمكان: إن جل التحولات المهمة في تاريخ الإنسانية ارتبطت دائما بمستوى انجاز الفرد وإيمانه بإمكانية الفعل الخلاق والمؤثر ولم تتميز الأحداث المؤثرة إلا لكونها كانت في الأصل تبدوا للذين مات لديهم الطموح والإيمان بالإمكان مستحيلة لا سبيل إليها ولكنها بدت للذين هم أقل من القليل ممكنة وآمنوا بالمحاولة سبيلا للتجريب واكتشاف طريق جديد حتى ولو كان بلا جدوى.

7- لا بد للراحلة من زاد: إن الرواحل في سيرها عبر مهامه العمر وصحارى الحياة بحاجة للزاد وخير الزاد صحبة صالحة. فاحرص بعد أداء فرضك وتلاوة وردك على الاغتراف من معين النبوة في الصحاح والسنن والمسانيد ودواوين التراجم وكتب التاريخ قديمه وحديثه، واحرص على زيارة أرباب التميز والإبداع في عصرك يستوي في ذلك العلماء النابهون ورجال الأعمال وقادة الأحزاب وشيوخ القبائل والشعراء والأدباء والعباد والمتصوفة المنعزلون المنقطعون إلى الله واصحب كل قوم على أحسن ما عندهم ووطن نفسك على الإنصاف والعدل في رؤية أفعال الخلق وأفكارهم وسل المولى أن يلهمك علما واسعا وخلقا كريما ومددا من عنده على التحمل والأداء فهو وحده القادر على الإمداد، وتذكر دائما قول بن عطاء الله السكندري في حكمه:"فإذا أراد الله أن ينصر عبده أيده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار". وحسبنا الله ونعم الوكيل