فارس لا يترجل

جمعة, 03/24/2017 - 15:37
إخليهن بن الرجل

إن دعوة الإسلام ليوم، أحوج ما تكون إلى داعية مخلص، صاحب تضحية وتفاني، قد شغفه حب دعوته حتى كانت الدعوة هو، وكان هو الدعوة.

فهو فارس لا يترجل، ولا ينزل عن صهوة جواد الدعوة، قد امتزجت دعوته بروحه، فما عاد يسليه سوى حديث الدعوة والدعاة، وكأنه هو وحده من عناه النبي-صلى الله عليه وسلم- بقوله:(...طوبى لرجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه معبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع)[1].

فهو بتضحيته وبذله وتفانيه في دعوته وبهمته العالية، لا يعرف الراحة ولا القعود، قد أنهكته كثرة المشاغل الدعوية، حتى شغلته عن نفسه، فبات أشعث أغبر لا يأبه له الدنيويون، يصور حاله حديث النبي-صلى الله عليه وسلم- : (كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسمت على الله لا بره)[2].

إذ أنه بات يتعبد لله بالتعب والجهد والمشقة، ينبئك عن حاله قول الشاعر:

أحاذر أن أموت على فراشي***وأرجو الموت تحت ذرى المعالي

وذرى المعالي، لا يدركها من يحب الراحة أو تستهويه اللذة والمتعة، وإنما تدرك بالتعب و لمشقه، وركوب الأهوال، والمصاعب، والركض وراء المهالك، كما روى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة- رضي الله عنه- قال : سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول : ( والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل )[3].

وهكذا، هو فارس الدعوة، يحدوه التأسي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أن تكون دعوته، هي محور تفكيره ولذته في دنياه، وشغله الدائم، حتى يصير تماما كخالد بن الوليد- رضي الله عنه- حينما قال : ( والله ما ليلة تزف إلي فيها عروس أنا لها محب، بأحب إلي من ليلة شاتية، شديدة البرد أسير بها في كتيبة من المهاجرين أصبح بهم أعداء الله ).

فليس شيئا من زهرة الدنيا وزخرفها، أحب إلى فارسنا من جلسة حوارية تغيظ المنافقين، أو حضور ندوة تناقش الهم الإسلامي ، أو محاضرة تخوض في غمار الفقه الدعوي والفكر الإسلامي، أو المشاركة في إنجاز عمل دعوي...

وهو صاحب تجرد تام، و( يدوس الألقاب برجله ويحطمها، ويمضي يصنع الحياة من موطن التخصص والفن والإبداع )[4].

إذ هو( فوق ترهات الأعراف الدنيوية وبريق المناصب الخداع، ويظل أعلى من كل حال واحتمال، مع الأحنف حين أراد معاوية رضي الله عنه عزله، فقيل له:" إن الأحنف بلغ من الشرف والحلم والسؤدد مالا تنفعه الولاية ولا يضره العزل")[5] .

فليست المنزلة إذا ( أن تنال لقباً أو أنْ توضع في الصدارة، ولكنّ المنزلة أن تحتل حيّزاً في قلوب المؤمنين، وأنْ تنادي ملائكةُ السماء أهلَ الأرض أن الله تعالى أحب فلاناً فأحبوه .. .. )[6].

ولئن كان الناس قد ألهاهم التكاثر، وشغلهم التنافس على جمع الدنيا، وعلى نيل الحظوة عند الناس، فإن الداعية يفتش عن المكارم، ويطلبها في مظانها :

قد شغل الناس كثرة الأمل***وأنت بالمكرمات في شغل.

وهو أبدا سائر في ركب المعالي، ولا يرغب بنفسه عن ضريبة مكلفة يتطلبها هذا الطريق، بل هو سيد النبل والمعاني الكريمة، سنده في ذلك عال يصل إلى الإمام يحي بن سعيد الأنصاري حينما قال : للإمام سفيان الثوري رحمهما الله - لما أراد أن يترخص في فعل بعض المكروهات- "لا تفعل فإنك امرؤ منظور إليك".

وقال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله : ( وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات فإن من يقتدى به وترتفع منزلته على المنازل : جدير بأن يرتفع فعله على الأفعال، ويربو حاله على الأحوال )[7]. ويروي أهل التاريخ أن يزيد بن المهلب حينما خرج مطاردا من طرف الجيوش لأموية، مر هو على راعي غنم فاستسقاه من اللبن، فحلب له، فقال يزيد : لمولاه أعطه ألف درهم، فقال له : إن هذا رجل لا يعرفك وهو يرضى بالقليل. فقال له : ( إن كان لا يعرفني فأنا أعرف نفسي ).

وأحرى أن يكون كذلك الداعية يعرف نفسه ولا يرضى لها بالدون، فهو وريث مجد مؤثل تركه له أجداده من نبلاء الدعوة، بل هو تاجر مكرمات وسؤدد:

وجاءت به الأيام تاجر ســــــــؤدد****يبيع نفيســــــــات المـــــــواهب بالحمــد
 جمال وإجمال وسبق وصـــــــولة****كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد

 

 

[1]- البخاري، الجامع الصحيح(2887)
[2]- مسلم، الجامع الصحيح(6848)، والترمذي، السنن(3854) واللفظ له
[3]- البخاري، الجامع الصحيح(2644)
[4]- الراشد، صناعة الحياة/84
[5]- الراشد، أصول الإفتاء والاجتهاد (3/75)
[6]- الراشد، فضائح الفتن، ضمن مجموعة رسائل العين/453
[7]- ابن العربي، أحكام القرآن (6/351)