مواريث الأجداد لا تغنى عن جهاد الأحفاد

جمعة, 03/24/2017 - 13:47
محمد الغزالي

إن ثمت عللاً نفسيةً غائرة سببت تقهقر المسلمين في الحياة ٬ وجعلتهم لا يحسنون الإفادة من دينهم ٬ ولا يحسن دينهم الإفادة منهم. هذه العلل كانت أشبه بالخلل الآلي ٬ أو المرض العضوي ٬ الذي تفقد الأشياء به تمامها ٬ وتتخلف مع وجوده عن ثمارها!! كالعين تعجز عن رؤية المحسوسات عند الانفصال الشبكي ٬ أو السيارة تقف في الطريق ٬ مع وجود الوقود ٬ لانسداد في المواسير!! إن الإسلام لم يدر في أجهزة الأمة النفسية والاجتماعية كما يدور الدم فى عروق الجسم دورته الرتيبة الدائمة
.كلا. لقد اعترضته عوائق شتى جرت على الكيان كله أعراض الشلل والإعياء...!! وأظنني أحصيت بعض تلك العلل ٬ وشخصت الداء ٬ وأبرزت الدواء.. والقارئ في هذه المواطن يحتاج إلى كثير من الدقة...
لأن أمتنا قد أصيبت بما يشبه الأمراض المتناقضة! أعنى الأمراض التي يكون علاج أحدها على حساب الآخر ٬ كمن يصاب بالسل والسكر معا ٬ فإن الأغذية التي يحتاج إليها في مقاومة هذا المرض ربما زادت ضراوة المرض الآخر...!! فمثلا الإسلام دين ودنيا ٬ والمسلم الحق آخذ من كليهما بنصيب على نحو ما قال الشاعر:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله!
فماذا تصنع لامرئ سفيه ضاعت منه دنياه ٬ وضاع عليه دينه؟ والواجب على من يتصدى لعلاج هذه الأمة ٬ أن يكشف القناع عن جانب القضية كلها ٬ ليعلم أهل الإسلام أن مواريث الأجداد لا تغنى عن جهاد الأحفاد. وأن انتسابنا إلى الإسلام لا يعطينا عند الله حق المسلم إذا كان المبطلون أشد منا تمسكا بباطلهم ٬ وأغزر إنتاجا له!!...
ثم إن العمل الصوري لا جدوى منه... أعرف أناسا يتوضؤون وتبقى أجسامهم وسخة! لماذا؟ إن الوضوء في وهمهم لا يعنى غير إمرار الماء على أعضاء معينة! أما أنه وسيلة للنظافة ٬ فلا...! وأعرف أناسا يصلون وتبقى أرواحهم كدرة! لماذا؟ إن الصلاة في فهمهم لا تعنى أكثر من تحريك الجسم في أوقات محددة. أما إنها معراج للصفو والنور ٬ فلا..!! وأي نظام في الدنيا يتناوله أتباعه بهذا الشكل هيهات أن يرفع لهم خسيسة. كم من حضارة في العالم ماتت لأنها تحولت إلى مراسم ورياء... وكم من ديانة انتهى أمدها ٬ وقضى الله بانقضاء أجلها ٬ لأنها تجاوزت القلوب وأضحت بين أصحابها تزويرا ٬ وانتفاعا رخيصا ٬ وأثرة ٬ ومروقا عن أمر الله... “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون”.
إن الناس الذين يعيشون داخل أنفسهم ٬ وفي حدودها وحسب ٬ لا يعون الحقائق المقبلة عليهم من خارجها ٬ ولا تخترق أبصارهم أسداف الشهوات والغفلات التي تخيم عليهم من كل جانب. إنك إن أغريته بالدنيا قد يشغله عرضها عن الدين ٬ وإن مسكته بالدين قد يصرفه ذلك عن الدنيا.. فالأمر بحاجة إلى نصائح موزونة ٬ تساق إليه بقدر ٬ حتى يحصل على الدنيا التي فيها معاشه ٬ وبها نجاحه... وحتى يحرز الدين الذي هو قوام أمره وضمان عاقبته...!! والإسلام معرفة للحقيقة الواحدة وقيام بحقوقها. وإنما ترجح كفة المسلم بالإيمان والعمل جميعا...
وقد كانت غلبة المسلمين الأوائل ٬ والمكانة التي بلغوها نتيجة علم عظيم وعمل أعظم... ثم جاء الأعقاب الكسالى يملأون أفواههم فخرا بأنهم مسلمون ويحقرون الآخرين الذين حرموا هذه النعمة ٬ ولا يعملون للإسلام شيئا.. لكن حفيد الملوك لا يغنيه نسب ٬ ولا يسبق به في عالم الكفاح فخر وادعاء ٬ إذا كان أبناء الصعاليك قد انتهزوا كل فرصة ٬ وتزودوا بكل سلاح ٬ ثم نازلوه فغلبوه...!!! ولقد انتصر اليهود لذلك في فلسطين. وانتصرت قوى أخرى للشر في غير مكان.. وذلك سر البلادة التي تستولي على بعض الناس وتجعل موقفهم من الحق ومطالبه فاترا. أغلب الظن أنهم لا يفقهونه ٬ وإذا فقهوه لا يقدرونه ٬ وإذا قدروه يتثاقلون عن التضحية من أجله... وتدبر قول الله في التعويض بهؤلاء: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه و أنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون”.
وانظر العاقبة التي يصيرون إليها في هذه الحياة! إن بلادتهم تتحول إلى بهيمية ٬ وعجز مشاعرهم عن الإدراك والإحسان يخلق منهم دواب بشرية “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو أسمعهم لتولوا و هم معرضون”.
وهذا المستوى المنحط من الوجود لا يسمى حياة وإن زعم أصحابه أنهم أحياء يأكلون ويتمتعون. ولذلك يناديهم الله جل شأنه أن يدخلوا في دينه ٬ وأن ينخلعوا عن أهوائهم وأوهامهم ٬ فهذا وحده طريق الحياة.. “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم.”..
والمسلمون المعاصرون أحوج أهل الأرض لتدبر هذا الدرس ٬ والاستنارة به في الظلمات التي تكتنفهم من كل ناحية... على أن مشكلة المسلمين ليست في هذا الخمول النفسي ٬ ولا في هذا الفتور الحسي وحدهما.. فإن الإسلام تضمن جملة من العبادات والفرائض من شأنها في مجموعها أن توقظ القلب الهاجع إذا غلبته سنة عارضة. وهذه العبادات من التكرار والتنويع بحيث تعتبر ضوابط محكمة ٬ قلما يبقى الفؤاد على ذهوله معها جميعا..! أجل ٬ فإن الرقاد قد يستولى على الإنسان إذا كان إلى جواره منبه واحد... أما إذا ضبطت جملة منبهات متعاقبة ذات أصوات متفاوتة ٬ فإن جرسا منها سيستفز النائم حتما... ومع أن القلب أصل الحياة في الجسم المادي ٬ فقد رأينا في بعض الجراحات الخطيرة أنه إذا توقف أمكن أن يستأنف وظيفته بالدلك والتحريك. 
ونحن نعلم أن الصلوات الموقوتة ليلا ونهارا ٬ والمناسك السنوية ٬ والواجبات المربوطة بمناسبات لا تنقطع... كل هذا حقيق بأن يرد المسلم إلى الله إذا أبعده الشيطان عنه ٬ وأن يوجه قلبه إليه إذا صرفته فتنة عارضة... إن كثرة المعالم والمنارات التي بثها الإسلام في طريق المسلم تمنعه من التيهان... اللهم إلا إذا تعمد أن يزيغ عن الصراط ٬ وأن يذهب مع مطارح النوى كل مذهب... وذلك للأسف ما صنعه المسلمون الأخلاف ٬ وما ظهر جليا في مسالك الأجيال المتأخرة.. إن كثيرا منهم تمرد على أمر الله ٬ وقرر مخالفته ٬ كما يقرر السائق المتهور أن يعصى أوامر المرور ٬ وأن يضرب عرض الحائط بشاراته الحمراء والخضراء.. فهل تعجب إذا رأيت في عواقب هذا الشطط ٬ حطاما مبعثرا ٬ ودماء مراقة ٬ ومزيدا من الآلام.