فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

جمعة, 03/24/2017 - 12:32
إخليهن بن الرجل

تعتبر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض الإسلامية ، وأهم الواجبات الدينية ، وقد أمر الله بها في أكثر من موضع في كتابه الكريم، قال الله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.

قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله:( وصيغة *ولتكن منكم أمة* صيغة وجوب لأنها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنها أصلها )[1].
 و قد اختلف أهل العلم هل فريضة الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة على الأعيان؟ أم أنها واجبة على الكفاية؟ بحيث أنها إذا قام بها البعض سقطت عن بقية المسلمين.

وقد استدل من رأى أنها واجبة على الكفاية بهده الآية ورأى بأن "من" في قوله "ولتكن منكم"للتبعيضّ وأن معنى الآية ولتكن منكم أيها المؤمنون جماعة مهمتها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن أصحاب الرأي الآخر لم يسلموا بهذا التفسير،قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: )قال الزجاج:معنى الكلام:و لتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير،وتأمرون بالمعروف،ولكن"من"هاهنا تدخل لتخص المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين،ومثله "فاجتنبوا الرجس من الأوثان" معناه: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس)[2]

وهذا الرأي هو الذي تسنده عموم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية،فقد أخبر جل شأنه أن هذه الأمة إنما فضلت على سائر الأمم لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.

وبين سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات البارزة في حياة المؤمنين:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله}.

وأخبر سبحانه أن هذه الأمة هي الأمة الشاهدة على البشرية:{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}.

ويؤكد وجوب أداء هذه الشهادة والقيام بمهمة الدعوة إلى الله تلك الأحاديث النبوية التي لم تدع عذرا لأحد في ترك الدعوة إلى الله والصدع بالحق:أخرج الإمام مسلم، و الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود، والنسائي، و ابن ماجه: عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة، يوم العيد قبل الصلاة، مروان. فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان).

( والتغير بالقلب -الذي هو أدنى الدرجات وأضعف الإيمان -ليس أمرا سلبيا تافها،إنها جمرة الغضب والكراهية للفساد والمنكر تتوهج و تتقد في الجوانح حتى تجد الفرصة للتغيير باليد أو بالفعل بالقول أو باللسان وأدنى ثمراته العاجلة النفور من الظلمة والمفسدين والمقاطعة لهم فلا يؤاكلهم و لا يشاربهم و لا يجلسهم ولا يصاحبهم)[3].

ويرى الإمام النووي رحمه الله:أن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الاَية: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ،هو ( أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول، والله أعلم)[4].

ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، و الترمذي، وابن ماجه: عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس أنكم تقرؤون هذه الآية؛ "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"؛ وإنا سمعنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه).

وروى أبو داود، وابن ماجه في سننه: عن أبي أمية الشعباني؛ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني؛ قال: قلت كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم". قال: سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال:(بل ائتمروا بالمعروف. وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا. وهوى متبعا. ودنيا مؤثرة. وإعجاب كل ذي رأي برأيه. ورأيت أمرا لا يدان لك به، فعليك بخويصة نفسك. فإن من ورائكم أيام الصبر. الصبر فيهن مثل القبض على الجمر. للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون بمثل عمله)

( فكل منكر يقع في المجتمع المسلم،لا يقع إلا في غفلة من المجتمع المسلم،أو ضعف وتفكك منه،ولهذا لا يستقر ولا يستمر،ولا يشعر بالأمان،ولا يتمتع بالشرعية بحال.
 المنكر-أي منكر-يعيش"مطاردا"في البيئة المسلمة،كالمجرم المحكوم عليه بالإعدام أو السجن المؤبد،إنه قد يعيش ويتنقل،ولكن من وراء ظهر العدالة،وبالرغم من المجتمع.
 والمسلم إذن مطالب بمقاومة المنكر ومطاردته،حتى لا يكتب له البقاء بغير حق في أرض ليست أرضه،ودار ليست داره وقوم ليسوا أهله)[5].

روى الإمام ابن ماجه: عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قام خطيبا. فكان فيما قال:(ألا، لا يمنعن رجل، هيبة الناس، أن يقول بحق، إذا علمه).قال، فبكى أبو سعيد، وقال والله! رأينا أشياء فهبنا.

وروى ابن ماجه أيضا: عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم":( لا يحقر أحدكم  نفسه) قالوا: يا رسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال (يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه. فيقول الله عز وجل، له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي. كنت أحق أن تخشى).قال في الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات.

قال الإمام ابن رجب رحمه الله:(قال ابن شبرمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد،يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين،ويحرم عليه الفرار منهما،ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك. فإن خاف السب ،أو سماع الكلام السيئ لم يسقط عنه الإنكار بذلك نص عليه الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى وقوي عليه،فهو أفضل ،نص عليه أحمد أيضا)[6].

ويؤكد هذا المعنى ما أخرجه الإمام مسلم، وابن حبان:عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال:(ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب. يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

وروى أبو داود، والترمذي، و ابن ماجه: عن أبي سعيد الخدري: أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال:(إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر).

الترهيب من التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن النكر

( إنها رهبة تفزع المسلم حقا،تقذفها تلك التهديدات التي خاطب الله تعالى بها من يصمت أو يتخارس ويدع النهي عن المنكر)[7] ،قال الله تعـالى:{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعله لبئس ما كانوا يفعلون }.

حقا إنه تهديد يرهب أصحاب القلوب الحية فيفزعون إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يصيبهم ما أصاب القوم:( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن النكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرونه على الحق قصرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)[8].

قال الإمام الشوكاني رحمه الله):من أخل بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية ،ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم،كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو الق السمع وهو شهيد")[9]. قال الله تعالى: {لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون}.

(وإنه لصوت النذير لكل أهل دين. فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[10]. قال تعالى:{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب}.

قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه:"أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم".

روى الإمام ابن ماجه: عن عائشة؛ قالت سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول:"مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر. قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم". وروى الإمام أحمد ، وابن ماجه ، وأبو يعلى: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: (إن الله ليسأل العبد يوم القيامة. حتى يقول. ما منعك، إذ رأيت المنكر، أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا رب! رجوتك، وفرقت من الناس).قال في الزوائد: إسناده صحيح. رجاله ثقات

وروى الإمام الترمذي في سننه: حدثنا قتيبة أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله الأنصاري عن حذيفة بن اليمان عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم).

أهمية الدعوة

الدعوة أمان للبشرية،إذ هي الثقل الذي يمنع الأرض من أن تميد و الشراع الذي يحمي سفينة الحياة من أن تضطرب،وبدونها تنزل نقمة الله ويكون الهلاك:روى الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم: حدثنا زكرياء قال: سمعت عامرا يقول: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا).

هي إذن سنة الله في الحياة أن لا يعاجل البشرية بعقاب ما دام هناك صوت للحق ينطق ويدعوا إلى الإصلاح ويصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.

والإصلاح شيء غير الصلاح،فالصالح غير المصلح: مسلم خير لكنه يعيش على هامش الحياة ،والمصلح: مسلم فاعل يسعى إلى نشر الخير لتسعد به البشرية جمعاء.

والله إنما أناط صرف الهلاك عن البشرية بوجود المصلحين لا بوجود الصالحين: روى البخاري: - حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: عن الزُهري،قال:حدثني عروة بن الزبير،أن زينب بنت أبي سلمة حدثته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها عن زينب بنت جحش أن: النبي "صلى الله عليه وسلم"دخل عليها فزعا يقول: ( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه). وحلق بأصبعه والتي تليها، قالت زينب:قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث).

وإنما هم المصلحون وحدهم من يمنح للحياة جمالها ومعناها ومغزاها،وبغيابهم ستفقد الأرض اتزانها وتضطرب سفينة الحياة وتغرق البشرية: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما}.

وقصة أصحاب السبت تعظ كل من يتخارس عن الصدع بالحق ويتوارى عن خوض المعركة مع المبطلين ويظن أن صلاحه سينجيه من عقاب الله ،فالقرآن ناطق بنجاة المصلحين وهلاك الظالمين ومن سكت على باطلهم فهو شريكهم في الهلاك: {وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خـسئين}.

فضل الدعوة

ويكفيها فضلا أن الله جل جلاله وتقدست أسمائه وصف بها نفسه فقال: {و الله يدعوا إلى دار السلام}، {و الله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه} ، ووصف بها نبيه فقال:{وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} ، والدعوة إلى الله هي منهج الأنبياء والرسل قال تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، وهي أرضى القول وأحسنه عند الله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ، وأجرها عظيم وثوابها جزيل عند الله تعالى،روى مسلم :عن أبي هريرة؛ أن رسول الله"صلى الله عليه وسلم" قال (من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا). وروى مسلم أيضا:عن أبي مسعود –عقبة بن عمرو-البدري الأنصاري رضي الله عنه قال:قال رسول الله"صلى الله عليه وسلم": (من دل على خير فله مثل أجر فـــــاعله).

قال الإمام النووي رحمه الله:( فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثواباً بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء)[11].

وروى البخاري في صحيحه: عن علي رضي الله عنه أن النبي"صلى الله عليه وسلم" قال له:( فو الله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم).

قال الأمام الحافظ ابن حجر رحمه الله( قوله حمر النعم بسكون الميم من حمر وبفتح النون والعين المهملة وهو من ألوان الإبل المحمودة قيل المراد خير لك من أن تكون لك فتتصدق بها وقيل تقتنيها وتملكها وكانت مما تتفاخر العرب بها )[12].

شروط تغيير المنكر

ولآن وبعد أن أفضنا في الحديث عن وجوب تغير المنكر وأنه متعين على كل مسلم ، يأذن لنا أن نتعرف على الشروط اللازم توافرها من أجل تغير المنكر ، وهي في غالبيتها تدور على حديث" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان". وهذه الشروط هي:

1- أن يكون محرما مجمعا عليه:

( أي أن يكون"منكرا"حقا،ونعني بالمنكر هنا: الذي يطلب تغييره باليد أولا ،ثم باللسان،ثم بالقلب عند العجز. ولا يطلق "المنكر" إلا على "الحرام" الذي طلب الشارع تركه طلبا جازما ،بحيث يستحق عقاب الله من ارتكبه. وسواء أكان هذا الحرام فعل محظور أم ترك مأمور. وسواء أكان الحرام من الكبائر أم من الصغائر ).

( فلا يد خل في المنكر إذن المكروهات ،أو ترك السنن والمستحبات وقد صح في أكثر من حديث أن رجلا سأل النبي "صلى الله عليه وسلم"عما فرض الله عليه في الإسلام فذكر له الفرائض من الصلاة والزكاة والصيام وهو يسئل بعد كل منها: هل علي غيرها؟ فيجيبه الرسول الكريم "إلا أن تطوع"حتى إذا فرغ منها قال الرجل:والله يا رسول الله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه،فقال عليه الصلاة والسلام" أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق" ).

( وكذلك يجب أن يكون مجمعا على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديما أو حديثا بين مجيز ومانع فلا يدخل في دائرة المنكر الذي يجب تغييره باليد وخصوصا للأفراد).

( إن المنكر الذي يجب تغييره بالقوة لا بد أن يكون منكرا بينا ثابتا بالشرع اتفق أئمة المسلمين على أنه منكر، وبدون ذلك يفتح باب شر لا آخر له،فكل من يرى رأيا يريد أن يحمل الناس عليه بالقوة)[13].

2- أن يتحقق من المنكر:

أي أن يتحقق من وقوعه فعلا كأن يراه، قال الإمام ابن رجب:( قوله صلى الله عليه وسلم:من رأى منكم منكرا"يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية فلو كان مستورا فلم يره ولكن علم به فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يعرض له ولا يفتش على ما استراب به).

( أما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة مثل سفيان الثوري وغيره،وهو داخل في التجسس المنهي عنه،وقد قيل لابن مسعود إن فلانا تقطر لحيته خمرا،فقال:نهانا الله عن التجسس)[14].

( ومن الوقائع الطريفة التي لها دلالتها في هذا المقام ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،وهو ما حكاه الغزالي في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من "الإحياء": أن عمرا تسلق دار رجل ، فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه ،فقال: يا أمير المؤمنين ، إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد، فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه، فقال:وما هي؟ قال:قد قال تعالى"ولا تجسسوا"وقد تجسست، وقال تعالى"وأتوا البيوت من أبوابها" وقد تسورت السطح، وقال تعالى"لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها"وما سلمت. فتركه عمر واشترط عليه التوبة)[15].

3- أن لا يؤدي إلى منكر أكبر منه:

فإذا كان تغيير المنكر سيؤدي إلى منكر أكبر منه فإن علمائنا نصوا على أنه يجب السكوت عنه ارتكابا لأخف الضررين،قال الإمام النووي رحمه الله:( فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة)[16] ، ( ولقد طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حول الكعبة في عمرة القضية أيام الهدنة، والأصنام من حوله مئون لم يرفع معولا لهدمها، ولا جعلها جذاذا.

وفي مثل هذا ما يقنعك، بالتزام القياس المصلحي: أن أي نهي عن منكر إذا رجع عليك بصورة من المنكر أخرى أكبر: عدلت عنه إلى حين مقدرة لا تعتريها رجفة.

فريث المثابر أمضــــــــــى خطــى***وأبلغ من قفــــزات الصخــب
وكانت أناة الفتى في التقــــــــــدم***أهدى وأجـــــدى لنيل الأرب
ومستعجل الشيء قبــل الأوان***يصيب الخسار ويجني النصيب)[17].

خاتمــــــــــة
 و ختاما يحسن بنا أن ننبه إلى ما لاحظه كبير فقهاء الدعوة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ، مـــن ( أن التخريب الذي أصاب مجتمعاتنا خلال عصور التخلف، وخلال عهود الاستعمار الغربي وخلال عهود الطغيان والحكم العلماني، تخريب عميق ممتد، لا يكفي لإزالته تغيير منكرات جزئية، كحفلة غناء أو تبرج امرأة في الطريق، أو بيع أشرطة"كاسيت"أو"فيديو"تتضمن ما لا يليق أو ما لا يجوز. إن لأمر أكبر من ذلك وأعظم، لابد من تغيير أشمل وأعمق.

تغيير يشمل الأفكار والمفاهيم، ويشمل القيم والموازين، ويشمل الأخلاق والأعمال، ويشمل الآداب والتقاليد، ويشمل الأنظمة والتشريعات.

وقبل ذلك لابد أن يتغير الناس من داخلهم بالتوجيه الدائم، والتربية المستمرة، والأسوة الحسنة،فإذا غير الناس ما بأنفسهم كانوا أهلا لأن يغير الله ما بهم وفق السنة الثابتة:{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم})[18]. 
[1] - الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير (4/37)
[2] - ابن الجوزي ، زاد المسير (1/391)
[3] - القرضاوي ، بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانين والمتغربين/59
[4] - النووي، شرح صحيح مسلم (1/299)
[5] - القرضاوي ، فتاوى معصرة (2/683)
[6] - ابن رجب ، جامع العلوم والحكم/399
[7] - الراشد ، المنطلق/65
[8] - رواه الترمذي وقال حديث حسن ، وأبو داود
[9] - الشوكاني ، فتح القدير (2/66)
[10] - سيد قطب ، في ظلال القرآن (2/790)
[11] - النووي ، شرح صحيح مسلم (7/87)
[12] - ابن حجر ، فتح الباري (7/478)
-[13] فتاوى معاصرة (2/684-685)
-[14]جامع العلوم والحكم/401 
- [15]فتاوى معاصرة (2 /687-688)
[16]المرجع السابق (1 /301-302)
[17] - الراشد ، المسار/63
[18] - فتاوى معاصرة (2 /690-691)