تكريم المرأة في ظلّ الربيع العربي/ الأستاذ عبد العزيز كحيل

اثنين, 02/27/2017 - 11:34
تكريم المرأة في ظلّ الربيع العربي

ارتقى الربيع العربي بالحجاب بشكل ملفت، فقد نال جائزة نوبل للسلام في شخص " توكل كرمان " اليمنية، واعتلت به محرزية العبيدي نيابة رئاسة المجلس التأسيسي في تونس – و هو ليس منصبا فخريًّا فقطّ بل منصب مسؤولية كبرى يمرّ عبره التأسيس لمستقبل البلد - أما في مصر فقد أصبحت نجلاء محمود " سيّدة مصر الأولى " كما يُقال في لغة السياسة والحُكم، وعُيّنت باكينام الشرقاوي مساعدة لرئيس الجمهورية، وترشّحت صباح السقاري لرئاسة حزب الإخوان المسلمين (الحرية والعدالة)- وكلّهنّ مرتديات للباس الشرعي،
وتزامن ذلك مع ظهور الصحفيّات المحجّبات على شاشات التلفزيون المصري الرسمي بعد حظر دام عقودًا من الزمن( وأذكر في السياق الإسلامي انتخاب عمرة بابيتش – وهي سيّدة محجّبة – رئيسة لبلدية في جمهورية البوسنة، ودخول مسلمة أخرى مجلسًا بلديًا في بلجيكا في الآونة الأخيرة، هي ماهينور أوزدمير)، وتصنع سمية كريم الحدث وهي تخطب بحجابها في مجلس العموم البريطاني.

إنّ هذا تكريم للتقوى قبل أن يكون احتفاءً بالريش: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا، ولباس التقوى ذلك خير " – سورة الأعراف 26.

وقد كرّم الله المرأة حين أنطقها بالحكمة وسجّل في القرآن الكريم انتباهَها إلى سنن نفسية واجتماعية وسياسية في غاية الخطورة ، فقال على لسان:

- امرأة عزيز مصر: إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي – سورة يوسف 53
 وهذه سنة نفسية لها خطرها على حياة الفرد والجماعة البشرية، وقد توسّع فيها علماء النفس والأخلاق والتربية وأرباب القلوب.

- ابنة الشيخ المديني: إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين – سورة القصص 26
 هذه قاعدة بالغة الأهمية في تولية الرجال وإسناد المسؤوليات، تذكر أهمّ شروط الاختيار الأمثل وهما القوّة والأمانة أي الكفاءة والأخلاق.

- ملكة سبأ : إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلة – سورة النمل 34
 هذا ما يقرّره علم الاجتماع السياسي وتُخبر به سنن الاستعمار والاحتلال على مرّ العصور، حيث يترافق الاستيلاء على البلاد مع الفساد المادي المتعدّد الأشكال والفساد النفسي الذي يستهدف الأحرار بالاحتقار والإهانة والإذلال.

تكفي هذه الإشارات المقتضبة لبيان تأهيل القرآن الكريم المرأة لخوض غمار الشأن الفكري والاجتماعي والانخراط في ثالوث العبادة والخلافة والعمارة كمظهر من مظاهر تكريم الله لها إلى جانب التكريم المبدئي للإنسان.
 إنّ الربيع العربي حريّ بإخراج المرأة المسلمة من الظلّ السلبي لتسهم بنصيب وافر في حركة المجتمع وإصلاح الضمائر والمؤسسات والنُظُم ورسم مستقبل الأمة في ظلال شرع الله، ولم يعُد مقبولا ترك الساحة للعلمانيات المترجّلات يسرحن في مجالات الثقافة والأدب والفنّ بلا منافسات من الصفّ الإسلامي.

نحن نتفاخر ببروز مرشدات في المساجد ونائبات في المجالس التشريعية وعضوات في الهيئات القيادية لبعض الحركات والأحزاب إلاّ أنّ ذلك لمّا يبلغ بعدُ درجةَ الكثافة والفعالية التي تقتضيها طموحاتنا التي تبتغي التواجد في كلّ مجالات الحياة من السياسة وعالم المال إلى الأدب والفنّ والصحافة ليرى الناس جدّ المرأة المسلمة وذكاءها وكفاءتها وقدرتها على اقتحام جميع مستويات العمل المجدي وهي ملتزمة بأخلاقها وسمتها وتميّزها، آن الأوان أن تبرز العالمات والمفتيات والإعلاميات والأديبات، فلعلّه يأتي علينا يوم تشرّفنا فيه امرأة مسلمة ملتزمة بجائزة نوبل أخرى لكن في المجالات العلمية، أو تكون مكتشفة لشيء جديد ينفع البشرية، أو تحرز قصب السبق في مجال حيوي فتجلب التقدير لنفسها وأمّتها ودينها.

ولا شكّ أنّ حضور المرأة الميداني أفضل من ألف درس وألف كتاب في ردّ الشبهات المثارة حول هضم الإسلام لحقوقها وطمس شخصيتها وإحالتها إلى التقاعد منذ ولادتها - من جهة - ولمحاصرة أصحاب التوجّه الديني المتشدّد الذين يجعلون من العادات القديمة والمحلية أحكاما شرعية تضيّق على المرأة وتحيلها إلى مخلوق دوني تميّزه السلبية والعيش على الهامش مخافة أن يفسد الدين والأخلاق والدنيا والآخرة، هذا أفضل بكثير من إنفاق الأوقات وإضاعة الجهود في المناقشات التجريدية التي لا طائل من ورائها.

إنّه يجدر بالمرأة أن تبادر بالانخراط في العمل الإسلامي ضمن الأطر التي يحرسها العلماء العاملون والدعاة الموثّقون، سواء كانت نقابات طلابية أو مهنية أو تنظيمات دعوية سياسية اجتماعية الخ... بديناميكية أصيلة تزعزع العقليات المتحجّرة– التي لا مسوّغ شرعيا قاطعا عندها - وترغم المتردّدات على الالتحاق بالركب من أجل المساهمة العملية في صناعة الحياة وإعطاء البديل الإسلامي وإثبات أنّ الحلّ المنشود يستطيع الاعتماد على النصف الثاني من المجتمع الذي مازال إلى الآن كمّا مهملا إلى حدّ بعيد.

إنّ التزام المواقع الدفاعية دليل هزيمة إذا طال أمده ولم ينتقل إلى بدائل هي متاحة بكثرة لكن تحجبنا عنها ثقافة فيها من التقاليد أكثر ممّا فيها من محكمات الشريعة، أورثت الرجال والنساء التهيّب من كلّ جديد خشية البدعة، وما هذا إلاّ للضبابية الكثيفة المحيطة بمفهوم البدعة خاصة عندما تتعلّق بالمرأة فتثير المخاوف من الفتنة وولوج دوّامة المحرّمات، وهذا يحتاج إلى اعتماد ثقافة أصيلة تجمع بين محكمات الشرع وحقائق العصر وفق قراءة أصولية مقاصدية رصينة متأنّية تنأى عن المبالغة في سدّ الذرائع والإكثار من الأحوطيات، وتجمع في تناسق جميل بين الربانية والإنسانية لتنطلق المرأة – مثل الرجل – تستنزل مرضاة الله وهي تسهم في حركة التداول الحضاري واستئناف الحياة الإسلامية، هذا خير من أن نبقى جميعا نرابط في المواقع القديمة ونحارب في المعارك المنتهية بينما يتحرّك غيرنا ليجرّنا إلى موكبه أو يردّنا على أعقابنا أكثر فأكثر حتّى لا تبقى لنا باقية كأمّة لها رسالة خالدة.