مكتبة الداعية../ إخليهن ولد الرجل

اثنين, 02/27/2017 - 11:22
مكتبة الداعية..

يحتاج الداعية الإسلامي الصاعد بجانب تكوينه الإيماني أن يمتلك قدرات عقلية وذهنية تؤهله لأخذ دوره الرسالي في صفوف الدعوة، ولأن يتبوأ منصب القيادة لجماهير المسلمين السائبة، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تكثيف المطالعة، والمصاحبة مع الكتاب.
لنا جلســـاء ما نمـــــــــل حديثهم** ألباء مأمونون غيبا ومشهــدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى** وعقلا وتأديبـــــا ورأيا مسددا
 فالزوم المحاريب، والانحناء على الكتب وتقليب أوراقها أمر لازم لمن أراد الريادة، أما من يقنع بالدون فيكفيه أن يستمع شريطا، وأن يقرأ مقالا أو رسالة قصيرة.

بيد أن كثرة المعارف، وتعدد العناوين قد تجعل الداعية الجديد في حيرة من أمره، ولا يدري من أين يبدأ، وماذا يقدم وماذا يؤخر، وكذلك رواج بعض الكتب الهزيلة غطى على الكتب النفيسة وذات القيمة المعرفية العالية، مما استدعى منا أن نحاول أن نقدم لإخواننا الشباب تصورا عن ما ينبغي قراءته وجعله في الأولوية.

· القرآن والسنة أولا
 إن أول ما ينبغي للداعية التركيز عليه في هذا السبيل هو (كتاب الله وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم")، فهما عمدة الداعية في تعرف أحكام الحلال والحرام، والاكتيال منهما سابق على الاكتيال من الفروع ومن الثقافة العامة إذ هما النبع الصافي الذي لم يشبه تكدير: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (وحفظ القرآن – كما نبه الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله – يتضمن حفظ السنة ضمنيا، لأن السنة هي البيان النظري والعملي للقرآن، وحفظ المبيَن يتضمن حفظ البيان معه)(الموافقات)، وروى مالك في الموطأ معلقا ووصله الحاكم في المستدرك وابن عبد البر في التمهيد وحسنه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".

ومن هنا لزم الداعية أن يعكف على الوحيين تلاوة للقرآن وتدبرا لمعانيه، وقراء للسنة وتفقها في مضامينها، وينصح الداعية هنا بأن يكثر الرجوع إلى كتاب "في ظلال القرآن" للشهيد سيد قطب رحمه الله، وإذا ما أراد البحث عن مسألة في الأحكام فينبغي له الرجوع إلى "تفسير القرآن العظيم" للإمام بن كثير رحمه الله، وهناك كتب أخرى في التفسير كثيرة منها تفسير شيخ المفسرين الطبري المسمى بـ"جامع البيان في تأويل آي القرآن"، وتفسير القرطبي المسمى بـ"الجامع لأحكام القرآن"، وتفسير الرازي المسمى بـ"مفاتيح علوم الغيب".. ولكن هذه الكتب كبيرة وتحتوي على مصطلحات كلامية ولغوية وأصولية معقدة تجعل غير المتخصص في حيرة من أمره.

وفي مجال السنة يحسن بالداعية الصاعد أن يقتني كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي بالإضافة إلى كتاب في الأحكام مثل "عمدة الأحكام" لعبد الغني المقدسي أو "بلوغ المرام" لابن حجر، ويحسن أن يكون معه شرح من قبيل "إحكام الأحكام" شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد أو "سبل السلام" شرح بلوغ المرام للصنعاني، ويغنيه عنهما كتاب "فقه السنة" لسيد سابق.

· في مجال الفكر وفقه الدعوة
 إما إذا ملنا إلى كتابات المعاصرين فـ"رسائل الإمام الشهيد حسن البنا" أولا، وتعتبر كتب الراشد ويكن ومشهور هي لأساس في فقه الدعوة، ومطالعة كتابات سيد قطب ومحمد الغزالي من متع الحياة، وتمثل كتابات القرضاوي مدرسة متكاملة كان لها الدور الأهم في تفقيه الدعاة خلال العقود الأخيرة، فـ(هو الرائد حقا مع وفور المنطق المعتدل، ودقة الاستنباط وشمول النظر، وقد حل المشكلات وأوضح المعضلات، وميز الخلل، وعلل وأسند، فكان معلم المرونة حقا وشارح المتغيرات.
 وتمثل كتاباته مذهبا في فقه الدعوة كاملا مترابطا متناسقا موزونا بمنطق واحد في بدايته ووسطه ونهايته، وبمنهجية من التيسير الذي تشهد له الأدلة والأصول العريقة)[الراشد، أصول الإفتاء والاجتهاد الدعوي (2/319)].

وإذا أردنا أن نحدد هنا بعض أسماء الكتب، فإن من أهم كتابات القرضاوي التي يحتاجها الداعية "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" و" الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم" و"من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا" و"فقه الأولويات"، وتعتبر كتب "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" و"علل وأدوية" وهموم داعية" وفن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء" خلاصة فكر الغزالي، ولسيد قطب "هذا الدين" و"المستقبل لهذا الدين" و"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، وأما مصطفى مشهور فمن أنفس كتاباته "زاد على الطريق" و"الحياة في محراب الصلاة" و"مقومات رجل العقيدة"، وتمثل كتب "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟"، و"قوارب النجاة في حياة الدعاة" و"المتساقطون على طريق الدعوة" و"الاستيعاب في حياة الداعية والدعاة" خلاصة تجربة فتحي يكن، ولا غنى للداعية عن"المنطلق" و"الرقائق" و"العوائق" للداعية المربي محمد أحمد الراشد، و"تهذيب مدارج السالكين" تحفة يحرص على مثلها الدعاة.

· الثقافة التاريخية واللغوية
 ويحسن بالداعية أن يكون على إلمام بالسيرة والتاريخ فإن من جهل ماضيه صعب عليه فهم حاضره وصنع له الآخرون مستقبله، وأن ينهل من معين لغة العرب فيحفظ من فصيح شعرها وبليغ نثرها، ففي اللغة عواطف ورمزيَّات وخيال تعلم الناس عشق الحرية، وقد سأل أحد الأحرار حكيم الصين كونفوشيوس كيف أعلم الناس الحرية؟ ، فأجابه:"عليك باللغة أتقنها".

ومن أجود الكتب التي ألفت في السير "الرحيق المختوم" للمبارك فوري، و"فقه السيرة" للشيخ الغزالي، و"السيرة النبوية" للندوي، أما كتب التاريخ فكتاب "تاريخ الخلفاء" للسيوطي ممتع وفيه الفائدة.

ويرصد كتاب "واقعنا المعاصر" لمحمد قطب حقبة من الزمن حرص المستعمر على طمسها وتشويه حقائقها، فأظهر الأقزام فيها أبطالا وهال التراب على الأبطال الحقيقين.

ويمثل كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" للندوي أسلوبا جديدا في كتابة التاريخ يحلل الوقائع ويقارن بين الحضارات ومواقفها من الإنسان والكون والحياة.

وفي مجال اللغة ينصح بكتاب "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان، وكتابات الرافعي (وحي القلم – المساكين – حديث القمر)، وكذلك كتابات المنفلوطي (العبرات - النظرات)، ويكمل ذلك أن يقتني فتى الدعوة "ديوان الحماسة" لأبي تمام و"الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" لأحمد الأمين، وأن يحفظ بعض المختارات من شعر لأميري والأعظمي والزبيري والعشماوي وغيرهم من شعراء الصحوة.

· خاتمـة
وختاما نوصي بالملاحظات التالية:
- الكتب الكبيرة التي يصعب على الأخ مطالعتها من الغلاف حتى الغلاف، يمكنه أن يلجأ فيها إلى المطالعة المجزأة، كأن يطالع كتاب الرقائق من "صحيح البخاري" أو تفسير سورة الحجرات من "الظلال".
- من المستحسن أن يصطحب الأخ معه قلم بنفسجي أو قلم رصاص ليضع إشارات على بعض الفقرات المهمة ويراجعها بين الحين والآخر.
- ومن المستحسن كذلك أن يكون عنده دفتر يسجل فيه بعض الفوائد، وأن يحفظ بعض العبارات المهمة.
- يرى العقاد أن مطالعة كتاب مفيد ثلاث مرات أحسن من مطالعة ثلاث كتب مفيدة(العقاد/أنا).