إطلالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اثنين, 02/27/2017 - 11:21
محمد الزين الشيخ سعدبوه

خاطب إيلياء أبو ماضي من حوله فقال:
أنا لا أهدي إليكـــم ورقــــــا .. غيركم يرضى بحبر وورق
إنما أهدي إلى أرواحكم فكرا ..  تبقـى إذا الطـرس احترق

أنا لن أحكي لكم حكاية عن أمة يتقاعس أبناؤها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالواقع ينطق.... إنما هي إطلالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبعض التساؤلات حوله, لعل من قرأ هذه السطور يفكر فيحسم أي الفريقين أحق بالاتباع, أيتقاعس مع المتقاعسين وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا أم ينبري للإصلاح أسوته في ذلك وقدوته محمد – صلى الله عليه وسلم – حين عرضت عليه العروض من قريش من رئاسة ومال وجاه فقال قولته المشهورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر عن يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه", معلنا بذلك اختراقا عاما لهذه الإنسانية جمعاء أو هو الانسحاب من بعد بذل قطرة الدم فحسب.

وذلك من قبل ومن بعد ما دعت إليه نصوص شرعية ومسوغات إنسانية وسنة كونية أصيلة.

- أما النصوص الشرعية فمنها قوله تعالى : " والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر", وقال تعالى أيضا :"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين", وقال تعالى أيضا:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن", وقال تعالى أيضا: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني". وقال – صلى الله عليه وسلم - : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عقابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجيب لكم", وقال – صلى الله عليه وسلم – أيضا: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان" رواه مسلم.

- أما المسوغات الإنسانية فقد أجملها الإمام البنا في:
1-  مسوغ التضامن الاجتماعي: بحيث لو استشرى الشر للحقني ولحقك ودخل بيتي وبيتك, فكان لا بد أن نضايقه في أحد زواياه, ولن يكون ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2-  مسوغ الأخوة : إذ أنا أخوك وأنت أخي, إذا رأيتني لا قدر الله أرتكب جرما كان لا بد أن تتدخل في حريتي الشخصية بدافع الأخوة, فتأمرني وتنهاني قال عز وجل " إنما المومنون إخوة"
3-  مسوغ الحق, إذ المومن الحقيقي جندي للحق وفي الحق, لا تاخذه في الله لومة لائم, قال – صلى الله عليه وسلم – "أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر".

- أما السنة الكونية الأصيلة فهي أنه لو كان الله يريد للواحد منا أن يعيش منفردا بأفكاره وأفعاله ومخططاته لبنى له أرضا وكلفه بما يكلفه به, لكنه خلقنا على أرض واحدة ليتأثر كل منا بالآخر وليدلي كل منا بالنصح للآخر.

أما من ينتظر أن ينتظر أن يستكمل تقدمه العلمي وظروفه الاقتصادية فليعلم أن الدعوة منه براء وذلك حسب ابن تيمية في فتاويه أن العلم كغيره من الأشياء يتجزأ فمن عرف مسألة وجب عليه التعريف بها ومن جهل أخرى فعليه السكوت, وما نعرفه عن سلفنا الصالح هو التضحية بكل ما يملكون حين تهدد الدعوة, فالرسول – صلى الله عليه وسلم - : يسأل أبا بكر – رضي الله عنه – بعد أن دعا للإنفاق على الدعوة ماذا تركت لأهلك فيجيب " تركت لهم الله ورسوله".

ومهما تخلى أئمتنا وشيوخنا وشبابنا عن هذا الأمر فإنه باق حين حفظ الله ذكره وجعله وسيلة لتبليغه: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" باق في نفوس آمنت بجدوائيته ووجدت الخير باعتناقه, حتى عبر عبد القادر عودة – رحمة الله عليه – :"إنها دعوة الله وليست دعوة الأشخاص وإن الله علم المسلمين أن الدعوة ترتبط به ولا ترتبط بالدعاة إليها وأن حظ الأشخاص منها أن من عمل لها أكرمه الله بعمله ومن تركها فقد أبعد الخير عن نفسه ولن يضر الدعوة شيئا".

ومن يحسب أن الدعاة سيظلون هذه الثلة المستضعفة في الأرض فهو واهم, إن إنسانا بالله يصول ويخطط وفقا لمنهاج الرسول – صلى الله عليه وسلم – لهو القادر على دحر أعدائه وإن بلغت قوتهم عنان السماء؛ وليندمن من من لم يلحق بهذه الثلة ندم ذي الجوشن الضبائي حين أسلم من بعد الفتح وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد دعاه للإسلام بعد بدر فقال له: "هل لك أن تكون من أوائل هذا الأمر؟" قال :لا, قال ما يمنعك؟ قال رأيت قومك أخرجوك وقاتلوك فإن لم تظهر عليهم لم أتبعك؛ وكان ذو الجوشن يتوجع بعدما رأى الانتصار وأيام الفتح.

إن الانتصار قادم لا محالة, على يد دعاة اليوم إن هم فهموا هذا الدين فآمنوا به وطبقوه في حياتهم فعملوا الصالحات وعبدوا الله لا يشركون به شيئا فطارت مخافة غيره من نفوسهم, قال تعالى: "وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا".
يتواصل إن شاء الله....