أولويات دعوية غائبة

اثنين, 02/27/2017 - 11:16
صبحي ودادي

سيظل الخطاب الأخلاقي أولوية، وستظل النفس البشرية بحاجة إلى رشداء يهدونها السبيل، ويقمعون تطلعها الشهواني وميلها الغريزي إلى الأثرة والأنانية، بيد أن اختزال الأبعاد الأخلاقية في جوانب بعينها كحدود العلاقة بين الرجل والمرأة، أو مسؤولية الغني اتجاه الفقير وأمثالها، يشكل اختلالا في فهم الرسالة الدعوية فضلا عن كونه اختزالا للمفهوم الأخلاقي نفسه، والذي جاءت الرسالة الخاتمة لتكميله وتحسينه: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

إن كثيرا من المشكلات الاجتماعية أوما يمكن أن نسميها بنيات اجتماعية مَرَضية تستوطن الوعي الجمعي لمجتمعنا يجب أن يتم التركيزعليها وإيفاؤها حقها، فقد لا تكون منكرات مثل ترك الصلاة أو الاستهتار برموز الدين منتشرة ولا رائجة، ولكن مقدسات اجتماعية تشكلت وطغت على كثير من القيم الدينية والأحكام الشرعية فأضحت أعرافا محترمة وغدت محرماتها عيبا اجتماعيا بما جعل معاييرها بديلا عن معايير الدين وقيمها أكثر احتراما من قيم الدين.

لقد كانت رسالات الرسل تغييرا اجتماعيا يحمل الهداية للناس على ضوء معالجة منكرات اجتماعية سائدة، وكانت رسالة التوحيد لكل نبي تحمل معها كأولوية عاجلة معالجة الانحراف الأبرز في مجتمع الدعوة: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ الشعراء: 123 -131﴿وَإِلى مَديَنَ أَخاهُم شُعَيبًا قالَ يا قَومِ اعبُدُوا اللَّـهَ ما لَكُم مِن إِلـهٍ غَيرُهُ وَلا تَنقُصُوا المِكيالَ وَالميزانَ إِنّي أَراكُم بِخَيرٍ وَإِنّي أَخافُ عَلَيكُم عَذابَ يَومٍ مُحيطٍ﴾ هود:84

( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٦٠﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٦١﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٦٢﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ﴿١٦٣﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴿١٦٤﴾ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٥﴾ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ) الشعراء.

كبائر اجتماعية

وإذا كانت مهمة الدعاة هي هداية الناس ونشر الخير، فإنهم مع ذلك أساة يحملون العلاج لأدواء المجتمع، يشخصون مشكلاته ويعملون على التغلب على معضلاته، وإن من بين المشكلات التي يلزم الخطابَالدعويَّ أن يجعلها في صدارة أولوياته مواجهة مجموعة من القيم التي ينشأ عنها في واقع الناس مثالب ومساوئ، فضلا عن كونها مصادمة لثوابت الدين أو مناقضه لأحكامه الثابتة.
 خذ مثلا موضوع التفاضل الاجتماعي على أساس النسب أوعلى أساس العرق، وترسخ المفاخرة بالأنساب إلى الحد الذي انمحتمعه روابط الولاء للجماعة المسلمة الواحدة الموحدة، فالتنوع الذي أراده الله عز وجل وسيلة للتعارف وعبرة في الخلق تحول إلى تعبير عن كيانات يدعي أصحابها اختيار الله واحتكار الفضل ومن ثم احتقار الخلق، ليتحول كل فصيل قبلي أو فئوي في مجتمعنا إلى شعب مختار يتغنى يسيمفونية الكبر الناشزة عن قيم التدين الصحيح والمناقضة للخلق الرفيع، يستوى في ذلك الشيخ المتدين الصالح والشاب الحداثي المتعلم.
 (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) نتلوها بعجالة..! أو نصك السمع عنها، أو نأول المعنى بما يحكر التقوى لفئات بعينها، أو نستنجد بمرويات متهافتة سندا ومتنا..ألا ما أكثر تنوع شهوات النفس وأخس رعوناتها..!!
 (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن اكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم بما تصنعون)
 وخذ قريبا من هذه المعضلة المنكرة مشكلة احتقار العمل والتكبر عن الكدح الحلال، ففي مجتمع فقير يسود تخلف مريعومع ذلك ينظر كثير من أفرده إلى قيمة العمل اليدوي نظرة دونية، وهنا نتذكر الإعجاز النبوي؛فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم (قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم) ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب وعائل مستكبر".

منكرات التخلف

إن الوجه الآخر لسيادة واستمرار هذه المنكرات هو تفتت وتشظي المجتمع أو ضعفه وفقره وانتشار الجريمة بأشكالها وأنواعها، فما الذي سيبقى من مجتمع تحث مجموعات منه الخطى حثا نحو التجزئة والاستغناء والإقصاء واستنبات الأحقاد، إن أخوتنا الجامعة ووحدتنا المخلصة هي سبيل بقائنا، وهي رأسمال نهضتنا،
 إن نفرة دعوية مركزة تحارب الكبر وتدعو إلى نبذ قيم متخلفة يسود عند أهلها استهلاك مريع ومباهاة مبكية مضحكة ونكوص عن الإنتاج والعمل لمجتمع فقير، هي أولوية بارزة.
 إنه شرع الله يرعى مصالح الأمة، فلماذا تناسي هذه البديهيات والانشغال عنها؟

إن هذا يتطلب من الدعاة إلى الله سبرا لواقع مجتمعهم، وفهما دقيقا لمشكلاته، حتى يتم تشخيص الحال دون تطرف ولا مداهنة، وهو ما يحتاج ثقافة موسوعية لا تتطلب بالضرورة دراسات أكاديمية ولا ألقابا ودرجات علمية، بقدر ماتتطلب من الدعاة وأهل العلم جهدا فرديا وجماعيامركزايضيف للأساس المعهود من العلومالشرعية والتراثية فكرا تربويا وفقها تخطيطيا ودراية اجتماعية تؤهل لاستيعاب الحقائق الاجتماعية وسنن التغيير، وقبل ذلك ومعه قراءة النصوص الشرعية قراءة واعية تدبرية تستخرج من أسرارها علاج مشكلات المجتمع وترياق أمراضه.

والله المستعان.