مكانة المحاسبة في حياة الدعاة

حين نتدارس المحاسبة ومكانتها في حياة الدعاة فإننا لسنا بدعا في  ذلك بل إننا نسلك طريق الربانيين الذين علت هممهم وسمت نفوسهم فركضوا في  سيرهم نحوربهم، وقد نبه لهذا المعني سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله فقال:  “إن  العبد لايزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته” فهي  أسرع الطرق لكبح جماح الأنفس عن الخلود إلي الأرض والسقوط في جحيم الغفلة والإصرار، وتعظم حاجة الدعاة لهذه المنزلة العلية من منازل الإيمان  فهم “الرجاعون ولافخر” كما يقول نبيل العراق( الراشد)، ومحاولة لتسليط الضوء  علي هذ الموضوع نستعرضه من خلال ثلاثة محاور :المحور الأول (نصوص دالة) نستعرض من خلاله -باختصار- بعض النصوص في الموضوع تأصيلا للموضوع وربطا له بأدلته فذالك أدعي لبقائه في النفس وأقوي باعثا لقناعتها به،

المحور الثاني تحت عنوان : مواطن المحاسبة عند  الدعاة   وكيف تكون؟

المحور الثالث :المحاسبة ثمرات وفوائد،

أولا: نصوص دالة

تضافرت النصوص الدالة علي ضرورة محاسبة النفس والمطالبة بضرورة استحضار الإنسان لمنقلبه وأوبته إلي ربه، فمن ذالك قول الله تعالي:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)ويقول النبي صلي الله عليه وسلم فيما أخرج الترمذي وبن ماجه(الكيس من دان نفسه وعمل لمابعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها واتمني وتمني علي الله الأماني) وكتب أمير المؤمنين إلي أحد عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلي الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وسألته أهواؤه، عاد أمره إلي الندامة والخسارة )ويقول مالك بن دينار رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا.

ثانيا: مجالات المحاسبة

تكثر مجالات المحاسبة بكثرة أفعال الإنسان  وأقواله فكلها أمور تحتاج المحاسبة الدائمة والتدقيق المخلص مع النفس وهناك أمور ينبغي علي الدعاة جعلها في أولويات أنفسهم وهم يتداركون عثراتهم ويفتشون عن عيوبهم،  ومن آكدها أهمية وأكثرها دقة وخطورة تفتيش عمل القلوب والجد في شأنه فما أوتي المؤمن إلا من قبل غفلته عن قلبه وترك أمراضه (رياء وسمعة وحب محمدة وغفلة الخ.. ) تكبر و تتعاظم حتي يصير أسير نفسه فحينئذ يكله الله لنفسه ويكون متودعا منه كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، ثم بعد ذالك المحاسبة علي ترك الطاعة وعدم إتقانها والتفريط في طلب العلم وعدم النهوض بواجبات الدعوة الخ…  وأما كيفيتها فإن أهمها  إسراع الإنسان  بها،  وانتظاره أوقات الخلوة ومواطن الصفاء،  حين يركن الإنسان لفراش نومه بعد يوم من الكدح الطويل،  وكذالك اتخاذها عادة بعد كل تقصير يلحظه المرء فى نفسه،  وإتباعها باستغفار مخبت، ومحاولة تحويل أثرها فى النفس إلى عمل بر يضيفه الإنسان لقربه فتزكو نفسه وتنهض،كل تلك الأمور معينة علي صلاح المحاسبة وتلبيتها لمقصدها الأصلي وهو الرجوع إلى الله.

ثالثا : فوائد المحاسبة

وللمحاسبة ثمرات كثيرة يحصد الداعية الذي يعتاد نفسه بالمحاسبة بشكل يومي، ومن أهم هذه الثمرات :

1ـ الاطلاع على عيوب النفس: وهي ثمرة مهمة وفائدة جليلة تمكن الداعية من الوقوف على مكامن الداء وتشحذ همته لتدارك ما فاته من إصلاح قلبه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والإسترسال معها، وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً.

فالمتأمل في فقه الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يدرك بجلاء كم كانوا تعتادون أنفسهم بالمحاسبة فيرون فيها من العيوب والتقصير ما يدعوهم للتوبة والاستمرار في العمل الصالح بعيدا عن الاغترار بأعمالهم الجليلة، وقد نبه إلى هذا المعنى أبو حفص النيسابوري بقوله :”من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يُجْرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغروراً، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها”.

2 ـ التعرف على حق الله تعالى وعظيم فضله ومنه، وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكون ذلك رادعا له عن فعل كل مشين وقبيح، وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه – سبحانه – أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر .

وأخير أستطيع القول إن فوائد المحاسبة كثيرة جدا بقدر مكانتها في حياة الدعاة، ومنها أنها سبب لتزكية النفس وترويضها على الطاعات ولجمها عن المعاصي، كما أنها سبب في تربية الضمير عند الإنسان، وتنمية الشعور بالمسؤولية  ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع.

محمد يحي ولد محمد المصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *